مصر أمُّ الدنيا، يسهل الوصول إليها والتعايش مع أهلها، إلّا أنه لا يمكن لأحد أن يدّعي فهم العمق الثقافي فيها.
في شهر رمضان الماضي جَمَعتنا أمسية رمضانية ببعض سكان دار الجوار في طيبة الطيبة في دار الأخ إبراهيم حكيم، وكان من بين الحضور المستشار الدكتور عبدالمحسن الرويشد، وهو ما عُرف بثقافته الموسوعية، وأوجز ردّه على ما أثير في فهم العمق الثقافي في مصر؛ بأن الدكتور جمال حمدان في كتابه: (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان)، قد حسم النقاش في هذا الشأن. فطلبت من أحد الأصدقاء القادمين من القاهرة البحثَ عن هذا الكتاب، وفوجئت عند استلامه، أن الكتاب يحتوي على أربعة أجزاء، كل جزء يحتوي على ما يزيد عن ثمانمائة صفحة، استهل كتابه بثمانين صفحة يتحدث فيها عن جغرافية مصر والفكر الجغرافي.
والمؤلف يحاول أن يرسم صورة عريضة، ولكنها دقيقة بقدر الإمكان لشخصية مصر.
وفي سياق حديثه يقول: «ففي عصر البترول الخرافي نخدع أنفسنا وحدنا إذا نحن فشلنا في أن نرى أن وزن مصر وثقلها، حجمها ومكانتها، قامتها وقيمتها، قوتها وقدرتها بين العرب وفي العالم ككل قد أخذت تتغير وتهتز نسبياً في اتجاه سلبي، وإن كانت هي ذاتها في صعود فعلياً. ولم تعد مصر بذلك تملك ترف الاستخفاف والاستهتار بمن حولها من الأشقاء، أو الانعزال المريض المتغطرس العاجز الغبي الجهول الذي يغطي عجزه وارتداده بكبره المغرور، وصلفه الأجوف، وعنجهيته القزمية، والذي يعرض مركّب نقصه باجترار الماضي وأمجاده». ويردف قائلاً: «إن مصر في وجه هذه المتغيرات بحاجة ماسة جداً الى إعادة نظر حادة في ذاتها، وإلى مراجعة للنفس، أمينة وصريحة، بلا تزييف أو غرور أو ادعاء».
حسبي أن المؤلف استخدم أسلوب جلد الذات بحثاً عن معالجات لبعض السلبيات في هذه الشخصية.
قبل سنوات جمعتنا الصدف في الإسكندرية بالدكتورة هالة طليمات، حرم الأستاذ الدكتور مدحت النمر، زميلنا في جامعة كولورادو، وكنا نطلق عليه سفير مصر في كولورادو، للسمات العديدة والأخلاق والقيم الرفيعة التي يتحلى بها. كان يستمع إلى زوجته وهي تناقش معنا التحديات التي يواجهها الأفراد والمجتمعات في فهم الثقافة المصرية، وقد أوجزتها في العبارات التالية: «المصريون مالهمش حل، مالهمش كتالوج، وشفرة يصعب فكها». كان الزميل مدحت يتقبل ما تقوله حرمه بابتسامات ربما لا تخلو من مجاملات.
نحن ننظر دوماً إلى مصر وأهلها بقدرٍ كبير من الإعجاب والتقدير، وكانت وما زالت وستظل دوماً الشقيقة الكبرى، ويسعدنا جداً النجاحات التي تحققها، ونتألم لأي إخفاقات قد تحدث لها.
لعلي أستعير هنا بعضاً مما قاله الدكتور سعيد السريحي: «مصر حلوة.. مصر حلوة، يمكن أحلى من باريس، مصر لما تشوف جمالها تحس أن الدنيا غنوة، وأنك أنت اليوم عريس. يمكن الوقفة الطويلة قبل ما بتختم جوازك تقلب شويه مزاجك، يمكن بتوع الجمارك يقرفوك، بس وسط الزحمة تلقى واحد يقول: البيه منور، وهو يعرف إنك أنت من الغلابة وأنت تعرف أنه يعرف أنك أنت مش منور، بس تفرح بالكلام الحلو لما يخش قلبك...».


