Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

نقد النقد

A A
ربما يُفهم المقصود من عنوان المقال بأنه (نقد النقد) الذي اُشتُهِر حديثًا في الدراسات الأدبية؛ ويعني أن يأتي ناقد ويطرح وجهة نظره -ينقد- حول نقد سابق لنقده عن مسألة ما؛ أي أنه (رأي على رأي)، والبعض يفضل تسمية هذا الإجراء بـ(المناقدة)؛ اختصارًا وتسهيلًا وخروجًا من زيادة المبنى المتمثل في جملة (نقد النقد).

والحقيقة أن العنوان لا يعني المفهوم السابق؛ وإنما يعني تلك الأصوات التي تظهر مثبِّطة (وقامعة) لكل رأي ينتقد رداءة خدمة أو تقاعس مؤسسة أو خطأ طريقة؛ حيث تأتي تلك الأصوات في ثياب متباينة؛ فبعضها يأتي في ثياب الوعظ، وبعضها في ثياب الوطنية، وبعضها في ثياب العقلانية، وبعضها في ثياب الخبرة، وغيرها من الثياب التي يرتديها المثبّطون. وحتى لا يُترك المفهوم عائمًا فإن النقد يأتي على شقَّينِ: الأول- نقد لا يهدف لبيان مكامن الخلل وخطأ الممارسة والقصور في الأداء والإشارة إليها بموضوعية ومصداقية؛ وإنما هو نقد لأجل التجريح في المؤسسة المنقودة بكلمات نابية لا علاقة لها بصلب القضية المطروحة ولا تستند على دليل. الأخير- نقد موضوعي هادف يبيِّن مواطن الخلل، ويشير إليها بكل مصداقية ويدعم ذلك بالقرائن والحجج.

ما أراه ظاهرًا وسائدًا في وسائل الإعلام (الرسمية) هو النوع الأخير، وهو النقد الموضوعي الهادف الذي يشير إلى الخلل في أداء بعض المؤسسات ومواطن قصورها بكل موضوعية وحيادية، وهذا النقد هو النقد الذي ينبغي أن تَقبل به المؤسسة المنقودة وتتفاعل معه وتعمل على الأخذ بما فيه؛ تحقيقًا للمصلحة العامة وأداءً لرسالتها المنوطة بها. ثم إن ما يظهر من نقد عبر الوسائل (الرسمية) لا يظهر إلا بعد أن يمرر على أكثر من عين فاحصة ومدققة، وهو ما يعني أنه نقد موضوعي هادف لا يحمل في ثناياه تعديًا ولا مبالغات ولا يقفز على الحقائق الماثلة. الأمر الذي يدعو للغبطة هو أن كل الجهات - وفي مقدمتها الجهات العليا- ترحب بمثل هذا النقد وترغِّب فيه؛ كونه وسيلة إصلاح، وعينًا للمسؤول الذي ربما لا تصل إليه الحقيقة كما هي، مع هذا إلا أننا نجد فئة من الناس بين (مسؤول ومواطن) لا ترغب في النقد بوصفه نقدًا، ويُفزعها كل نقد حتى لو كان بحق غيرها، بل يصل الأمر إلى نقدها ذلك النقد وتثريبها على صاحبه.

المضحك في الأمر أن بين المثبطين والمثربين أسماء كانت أقلامها في النقد حادة ثم تحولت من النقد إلى الادعاء بأن (كل شيء تمام وكل المطالب قد تحققت) وبالتالي تتحجج بأنه لم يعد هناك ما يستدعي النقد، وهي تعلم -قبل غيرها- أن النقد (الموضوعي الهادف) وسيلة إصلاح للمؤسسات الخدمية، وأنه أمانة في رقبة صاحب كل قلم ووسيلة، وأن المجتمعات - أيًّا كانت- تترقى بالنقد الموضوعي الهادف وتتقدم حينما تستجيب له، وأن القصور في الأداء سيبقى ملازمًا لكل مؤسسة خدمية ولن ينتهي أو يزول مهما كانت الجهود، وأن الكمال لن يُبلَغ ولكنَّ السعي إليه مطلب وواجب بالوسائل المُمْكنة، ومنها النقد الموضوعي الهادف.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store