Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

عفـــــــرتة

A A
من نعم الله العظيمة التي لا نفكر في روائعها كثيراً، العناصر الكيميائية.. معظمها تُغيِّر حياتنا إلى الأفضل.. ولكل منها خلفية.. وحكايات بعض منها أغرب من الخيال.. «الكوبالت» من النِّعَم الجميلة التي تستحق وقفات تأمل، فهو من العناصر التي تحتوى على الطرائف، والمفاجآت، ولكنه يحتوي على الحزن، والعار أيضاً.. أصل الكلمة «كوبالت» يعود إلى اللغة الألمانية، وجذورها تعود إلى القرن الثامن عشر عندما كانت صناعة التعدين تتنفر منه، لأنه كان يوجد بالقرب من مصادر معادن مفيدة مثل النحاس والنيكل.. ولم يكن مرغوباً فيه عند التنقيب بسبب عدم وجود استخدامات له في تلك الفترة.. يعني كان سلتوحاً كيميائياً.. وكانت «مودته» للقرب من عنصر الزرنيخ السام من دواعي وصفه بالخام «المتعفرت»، Kobold بالألمانية.. وCobalt بالإنجليزية.. ومع مرور الزمن وتطور التقنية، أصبح له «شنّة ورنّة»، وأهمية كبرى في العديد من المجالات.. يستخدم في التلوين وبالذات في تصنيع الزجاج وإضافة اللون الأزرق الداكن الجميل.. وعند أكسدته من خلال إضافة الأوكسجين يتحول لونه إلى الأحمر الغامق الرائع، ولذا، فهو من أساسيات الجمال.. ولكنه يدخل في عالم الأدوية أيضاً، فهو من مكونات تركيبة «الفيتامين بي»، وهو من المحفزات الكيمائية في العديد من الاستخدامات الطبية، وهو من مكونات المغناطيس في العديد من الأجهزة، وله استخدامات في العلاج بالأشعة.. والكوبالت من المكونات الأساسية للسبائك المعدنية التي تمنح القوة بمشيئة الله للعديد من الاستخدامات، ومنها في عالم الطيران، حيث يمنح الحماية الحرارية لأجزاء أساسية بداخل محركات الطائرات..

وللعلم، فكل من الاستخدامات التي ذكرتها أعلاه تستحق مقالات في حد ذاتها بسبب الطرائف والمفاجآت.. ولكن ماذا عن جوانب الحزن، والعار.. المعلومة تكمن في عالم البطاريات الحديثة، وما أكثرها اليوم.. في الحواسيب، والجوالات، والسيارات الكهربائية والتقليدية، والطائرات، وأكثر.. وكل هذه «الهيصة» جعلت بعض العناصر الكيميائية نجوماً ساطعة، ومن أهمها الكوبالت.. والتحدي هنا هو أن هذه النعمة مركزة في جمهورية الكونجو الديمقراطية في قلب إفريقيا.. تحتوي أراضيها على حوالى سبعين في المائة من الإنتاج العالمي للمعدن الإستراتيجي المهم.. يعني كل منّا يستمتع بخيرات الكونغو بشكلٍ أو بآخر اليوم وكل يوم.. والمشكلة هنا أن آليات استخراج المعدن في غاية القسوة.. جدير بالذكر أن إحدى الآليات المستخدمة للتعدين هي ما يسمى «بالمنجم الحرفي»، وهي فكرة إطلاق العنان للمجهود الشخصي في جمع المعدن الخام من المصدر، وبيعه في السوق.. وللعلم، فالمبلغ الذي يحصل عليه الفرد يومياً لا يتعدى ما يعادل العشرة ريالات في المتوسط.. وفي المقابل، فالعمل الشاق تقوم به نسبة كبيرة من الأطفال دون سن الثامنة عشرة.. أضف إلى ذلك مخاطر انهيار المناجم وعدم وجود وسائل السلامة للعاملين.. وبعض تلك المناجم هي عبارة عن مناطق رعب لا تليق بأبسط الشروط الإنسانية.

* أمنيــــــة:

معظمنا مقصرون في حق أطفال الكونجو العاملين في المناجم.. بطارية الهاتف في جيبي تحتوي على حوالي ثمانية جرامات من عنصر الكوبالت النقي، وبطارية الحاسوب الذي أطبع عليه هذه الكلمات تحتوي على ما يعادل خمس حبات لدو.. ولم أعلم عن التجاوزات في استخراج ذلك العنصر إلا عندما بدأت في البحث عن معلومات المقال.. وهذا لا يعفيني من المشاركة في مسؤولية الإساءة إلى العاملين في بداية سلسلة الإمدادات للعفرتة.. وأخيراً فالعنصر المتعفرت يستخدم في الأسلحة، وغالباً أنه ضمن منظومة الدمار ضد أهالي غزة.. أتمنى أن يجد العالم الحلول اللائقة لأنسنة استخراج العناصر الإستراتيجية بما يرضي الله، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store