رددتُ في الحلقةِ الماضيةِ علَى مَا جاءَ فِي حديثِ الأستاذِ فراس الحوَّاس لبرنامجِ «السؤال الصَّعب» بقناةِ «سكاي نيوز» العربيَّة، مِن إنكارٍ لوجودِ حياةٍ بعدَ الموتِ، ووجودِ الجنَّةِ والنَّارِ، وأنَّ وجودَ سيِّدنا آدمَ -عليهِ السَّلامُ- وجودٌ رمزيٌّ، وقولهُ إنَّ جميعَ الأحاديثِ النبويَّةِ موضوعةٌ، وسأردُّ فِي هذهِ الحلقةِ علَى قولِهِ إنَّه يحاولُ إعادةَ النظرِ فِي الموروثِ، وتسميتِهِ للإسلامِ بالمشروعِ المحمديِّ، وإنكارهِ لواقعيَّةِ القصصِ القرآنيِّ والمكوِّنَيْنِ المكانيِّ والزمنيِّ به، حيثُ يقولُ: «الصيغةُ التشريعيَّةُ الفقهيَّةُ أعطتْ صورةً مختلفةً عَن الصيغةِ التي أتَى بهَا محمدٌ عَن الإسلامِ الحقيقيِّ، أو مَا أُسمِّيه المشروعَ المحمديَّ، الصيغةُ التِي جاءَ بهَا المشروعُ المحمديُّ عن الصيغةِ التِي وصلتنَا».
وردًّا عليهِ أقولُ: لَا خلافَ أنَّ بعضَ علمائِنَا الأوائل لمْ يتحرَّرُوا من بعضِ الموروثاتِ الفكريَّةِ والعاداتِ والتقاليدِ والأعرافِ لمجتمعاتِهم قبلَ الإسلامِ، فأخطأُوا في فَهمِ الآياتِ القرآنيَّةِ المتعلِّقةِ بحريَّةِ العقيدةِ والمواريثِ والمرأةِ، ولكنْ لَا يعنِي أنَّ كلَّ ما قدَّمُوه لنَا نُلقيه بعيدًا.. فعلماؤنَا الأوائلُ قد اجتهدُوا وقدَّمُوا لنا نتاجَ ما هدتهُم إليهِ أفكارُهُم وعلومُهُم وثقافتُهُم، أمَّا وصفهُ الإسلامَ بالمشروعِ المحمديِّ، فهُو يرمِي إلى أنَّ الإسلامَ ليسَ دينًا إلهيَّا سماويًّا، وإنَّما جاءَ بهِ (سيدنَا) محمدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- كمَا يزعمُ المستشرقُونَ، ثُمَّ علَى أيِّ أساسٍ سيُعيدُ تفسيرَ القرآنِ الكريمِ إنْ كانَ ينكرُ وجودَ حياةٍ بعدَ الموتِ وجنَّةٍ ونارٍ، ووجودَ سيدنَا آدمَ -عليهِ السَّلامُ- وواقعيَّة القصصِ القرآنيِّ؟.
وعندمَا سُئِلَ عَن إثارةِ الجدلِ حولَ مقولتهِ إنَّ أصلَ قبيلةِ قريشٍ يعودُ إلى سوريَا، أجابَ إجابةً مطوَّلةً لم يبيِّن فيهَا كيفَ أصبحتْ قريشُ سوريَّةً، بلْ نجدهُ تجاهلَ وجودَ الكنعانيِّينَ الذِينَ كانُوا أوَّلَ مَن سكنَ فلسطينَ فِي الألفِ الثالثِ قبلَ الميلادِ، وزعمَ في إجابتهِ أنَّ بعضَ الممالكِ العربيَّةِ نشأتْ في بلادِ الشَّامِ والهلالِ الخصيبِ فِي منتصفِ الألفِ الأوَّلِ قبلَ الميلادِ.
فزعمهُ هذَا مخالفٌ للحقائقِ التاريخيَّةِ، ويأتِي فِي مقدمتهَا تجاهلُ أنَّ الكنعانيِّينَ (الفلسطينيِّينَ) أوَّلَ مَن سكنَ فلسطينَ، فالفلسطينيُّونَ سكنُوا فلسطينَ قبلَ هجرةِ إبراهيمَ -عليهِ السَّلامُ-، وقدْ اعتبرتهُ التوراةُ متغرِّبًا في فلسطينَ، كمَا أطلقتْ على فلسطينَ أرضَ كنعان فِي الإصحاحِ 37 من سفرِ التكوينِ.
فإنكارُ الأستاذِ حوَّاس لعروبةِ فلسطينَ، ولحقِ الفلسطينيِّينَ في أرضهِم ووطنهِم، لهَا أبعادٌ ودلالاتٌ خطيرةٌ، حيثُ نجدهُ في كتابهِ «الحدث التوراتي والشرق الأدنَى القديم في طبعتهِ الصادرةِ 2015 متذبذبَ الرأيِ حولَ موطنِ الكنعانيِّين الأصليِّ، إذ نجدهُ تارةً يقولُ: «شكَّلت أرضُ كنعانَ تاريخيًّا المناطقَ السوريَّةَ الواقعةَ إلى الغربِ من نهرِ الفراتِ بمَا فيها فلسطينُ، أمَّا الكنعانيُّون كشعبٍ فلمْ يُفصلْ بعدُ في أمرِ موطنِهم الأصليِّ وتاريخِ استيطانِهِم في الأرضِ التِي أعطتهُم اسمهَا، أو أعطُوها اسمَهُم، إلَّا أنَّ هناكَ مِن البيِّناتِ مَا يشيرُ بوضوحٍ إلى أنَّهم كانُوا موجودِينَ فِي سوريَا الجنوبيَّةِ منذُ الألفِ الرابعِ قبلَ الميلادِ».
وتارةً أُخْرى يقولُ: «والحقُّ أنَّ أكثرَ النظريَّاتِ قريبًا من المنطقِ السَّليمِ، هِي التِي تجعلُ الكنعانيِّينَ أصليَّينَ في أرضِهِم، وترَى فِي مدنِهِم الأُولَى تطوُّرًا طبيعيًّا لمستوطناتِ العصورِ الحجريَّةِ الأقدمِ، ذلكَ أنَّ الكثيرَ من مقارِّ الكنعانيِّينَ التاريخيِّينَ، كانتْ مستوطناتٍ مزدهرةً فِي عصورِ مَا قبل التاريخِ، ولَا أدلُّ علَى ذلكَ مِن أريحَا وجبيل وأوغاريت، فأريحَا كانتْ أحدَ المراكزِ القليلةِ التِي ظهرتْ فيهَا الزراعةُ لأوَّلِ مرَّة في التاريخِ معَ مطلعِ العصرِ الحجريِّ، خلالَ الألفِ الثَّامن قبلَ الميلادِ، وكانتْ في بنيتِهَا الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ والسياسيَّةِ نموذجًا موغلًا فِي القِدمِ للمُدنِ الأُولَى».
وهنا يتضح لنا مدى تناقض الحواس بين إجابته في برنامج السؤال الصعب، وبين ما كتبه في كتابه الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، نقلا من مراجع أجنبية، فهو مجرد ناقل لا يميز مدى التناقض فيما ينقله! ويلاحظ أن ما ذكره في إجابته لا علاقة له بما زعمه بأن قبيلة قريش من سوريا؟ فقريش ليست قبيلة رعوية، هي معروفة بتجارتها وبرحلتَي الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام التي ذكرها القرآن الكريم.
وقالَ في حديثهِ: «لَا وجودَ لشخصيَّةِ آدمَ، وهُو مجرَّد رمزٍ، وعلينَا ألَّا نأخذَ القصصَ فِي الكتبِ الدينيَّةِ علَى أنَّها تاريخٌ حقيقيٌّ»، وقالَ: أنَا لَا أُشكِّكُ، العلمُ هُو الذِي يُشكِّكُ، لاسيَّما فِي الدِّينِ الإسلاميِّ، دعينِي أتحدَّث عَن الدِّينِ الإسلاميِّ؛ لأنَّ الموضوعَ متشعبٌ، فِي الدِّينِ الإسلاميِّ وثيقتنَا الأساسيَّة هِي القرآنُ، معظمُ مَا وردَ في القرآنِ مِن قصصٍ، هو قصصٌ رمزيٌّ وعظيٌّ، الهدفُ منهُ الوعظُ، ونقلُ فكرةِ التوحيدِ، أو مَا جاءَ بهِ محمدٌ، أو مَا نُقِلَ إلى محمدٍ من بعضِ الشرائعِ».
ولنتوقفْ هنَا عندَ قولِهِ: «أو مَا جاءَ بهِ محمدٌ، أو مَا نُقِلَ إلى محمدٍ مِن بعضِ الشرائعِ»، فهنَا إنكارٌ صريحٌ منهُ للوحيِ الإلهيِّ، واعتبارهُ الإسلامَ مِن عندِ سيدنَا محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أو مَا نُقِلَ إليهِ مِن شرائعَ أُخْرى، وهذَا ما يزعمهُ المستشرقُونَ.
والقرآنُ الكريمُ لَا تخلُو قصصهُ مِن المُكوِّنِ المكانيِّ في سردِهِ، فهُو القاعدةُ الماديَّةُ الأُولَى التِي ينهضُ عليهَا السَّردُ، كمَا أنَّ مِن القصصِ القرآنيِّ لمْ يخلُ مِن العنصرِ الزمانيِّ الذِي يكتملُ بهِ السَّردُ، مثل قولِهِ تعالَى فِي سردِهِ لقصَّةِ أصحاب الكهفِ: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ)، وقوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا).
وللحديثِ صِلَةٌ...
تكوين الفكر العربي من خلال فكر الحوَّاس.. إلى ماذا يرمي؟! (2)
تاريخ النشر: 18 يوليو 2024 00:08 KSA
A A


