هناكَ وجهتَا نظرٍ مختلفتَانِ تمامًا لعلاقةِ الزَّوجَينِ بعدَ السِّتينِ مِن العمرِ، فيمَا يخصُّ ترابطهُمَا ببعضٍ، هلْ الأفضلُ أنْ يتباعدَا عَن بعضهمَا، ويقلُّ اللقاءُ بينهمَا، أمْ أنْ يستمرَّا فِي لقائهِمَا كمَا كانَا في شبابهِمَا؟ هذَا السؤالُ أخذَ يُطرحُ بقوِّةٍ فِي المجتمعِ، لذلكَ هناكَ مَن يقولُ إنَّ التباعدَ جفاءٌ ويزيدُ فِي هوَّةِ التباعدِ، وهناكَ مَن يقولُ إنَّه صحَّةٌ للزَّوجَينِ ويمنحهمَا الحريةَ أكثرَ عَن ذِي قبل، وآخرُونَ يقولُونَ إنَّ اللقاءَ المستمرَّ بينهمَا يُعدُّ ظاهرةً صحيَّةً، ويدلُّ علَى حبِّهمَا لبعضهِمَا وأنَّهما مكمِّلان مشوارَ الحياةِ بنفسِ النكهةِ التِي بدآ بهَا، وهناكَ مَن يقولُ إنَّ اللقاءَ المستمرَّ يجعلهمَا يكرهَا بعضهمَا ويملِّان مِن بعضهِمَا؛ ممَّا قدْ ينتجُ عنهُ الطلاقُ، خاصَّةً مِن جهةِ الرجلِ الذِي تزدادُ مطالبهُ وعينهُ الهرمونيَّةُ الفارغةُ التِي تتطلَّعُ يمينًا ويسارًا بعدَ التقاعدِ! فأيُّ الأقوالِ أصوبُ، وللحياةِ الاجتماعيَّةِ أقربُ؟
إنَّ من مظاهر هذه المرحلة العمرية (ما بعد الستين) هو التجافي، وانصراف كل واحد منهما عن الآخر، وانعدام التجاذب، لعل ذلك يعود إلى التغيرات الطارئة على النواحي البيولوجية والاجتماعية، فالناحية البيولوجية تتغير عند المرأة، حيث تمر بجفاف هرموني في الرغبة الجنسية بعد الخمسين من عمرها، وتحب كل شيء في زوجها إلا اللقاء الهرموني؛ لأنه يتعبها أو لا معنى له عندها جسميا ونفسيا.
وهذهِ حقيقةٌ بيولوجيَّةٌ سواءٌ رَضِيَ بهَا الرجلُ والمرأةُ أوْ لمْ يرضيَا، كمَا أنَّ فِي هذهِ المرحلةِ العمريَّةِ تنتابُ كلًّا مِن الزَّوجَينِ شيءٌ مِن بداياتِ أمراضِ الشيخوخةِ، أو الأمراضِ المصاحبةِ للحياةِ عندَ الكبرِ، مثل الضغطِ أو السكرِ، فإذَا كانَ الطرفانِ كذلكَ، فلا شكَّ أنَّ تباعدهمَا صحةٌ لهمَا؛ لصعوبةِ تحمُّلهمَا لبعضهِمَا، فالناحيةُ البيولوجيَّةُ تضعُ أمامهمَا الخيارَ: إمَّا التعاونُ والتكاتفُ؛ للتغلُّبِ علَى ظروفِ هذهِ المرحلةِ العمريَّةِ التِي تظهرُ علَى أحدهِمَا أو كليهِمَا، وإمَّا التجافِي وعدمُ اللقاءِ (تجميدُ العلاقاتِ)، أو أحيانًا الطلاقُ أو الخُلعُ.
أمَّا السببُ الثَّانِي الذِي يقودُ إلى حتميَّةِ التباعدِ والجفاءِ وقلةِ اللقاءِ، فهُو الجانبُ الاجتماعيُّ، فالمرأةُ الجَدَّةُ فإنَّ ميولَهَا ورغبتَهَا وقضاءَ معظمِ وقتِهَا تفضِّلُ أنْ يكونَ بينَ بناتِهَا وزوجاتِ أولادِهَا، وأحفادِهَا وحفيداتِهَا دونَ زوجِهَا الذِي قدْ يتسبَّب بقاؤهَا الدَّائمُ معَهُ إلى مشكلاتٍ، هذَا بالإضافةِ إلى رغبتهَا فِي الذهابِ معَ شلَّتِهَا ممَّن هُم فِي عمرِهَا إلَى المطاعمِ والمقاهِي والسَّفرِ، وكذلكَ قدْ يكونُ الزوجُ منصرفًا فِي جُلِّ وقتِهِ خارجَ البيتِ معَ أصحابِهِ وشلَّتِهِ دونَ زوجتِهِ التِي بلغتْ مِن العُمرِ عِتيًّا، وأيًّا كانتِ الظروفُ والحالاتُ والعمرُ يظلُّ يحكمُ ذلكَ كلَّه عمقُ الحُبِّ بينَ الزَّوجَينِ فِي تسييرِ مَا تبقَّى مِن العمرِ بصورةٍ يتَّفقُ عليهَا هُما لا غيرهمَا سواءٌ تلاقيَا أو تباعدَا، وفقًا لمَا يخدمُ مصلحتهمَا وبقاءَ قلوبهمَا لبعضهِمَا والحفاظ علَى المنتوجاتِ البشريَّةِ الأولادِ والبناتِ والأحفادِ والحفيداتِ، ولا يزالُ السؤالُ الذِي فِي أوَّلِ المقالِ قائمًا، وهُو هلْ الأفضلُ أنْ يتباعدَا عَن بعضهِمَا، ويقلَّ اللقاءُ بينهمَا، أمْ أنْ يستمرَّا فِي لقائهمَا كمَا كانَا فِي شبابهمَا؟ حتَّى تُظهرَ لنَا دراسةٌ اجتماعيَّةٌ إحصائيَّةً عَن واقعِ المجتمعِ فِي ذلكَ.


