Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

جو - جو

A A
هذا المقال عن أحد أهم وأقدم الصواريخ المستخدمة في الاشتباكات الجوية.. وكل صاروخ وراءه حكايات، بعضها أغرب من الخيال، لأنها تعكس تجارب النجاح بعد الفشل الذريع، والتجسس، والسرقات، والحيل. وفي البداية لابد من الذكر أن الصاروخ المعنى هو من طراز «سايد وايندر»، وهو اسم أحد الأفاعي ذات السم الفتاك. والصاروخ المعني أكبر عمراً من معظم قراء هذا المقال.. تم تطويره عام 1946، ولكنه لا يزال يخدم في أكثر من سبعة وعشرين دولة، وقد صنعت منه أكثر من مائة ألف نسخة بعشرات الأجيال والطرازات في الغرب والشرق، ولا يزال تطوره مستمراً حتى كتابة هذه الكلمات. تراه بشكل أو بآخر مثبتاً على بدن أو أجنحة المقاتلات النفاثة القديمة والحديثة، ويتميز شكله بأنه نحيف جداً، فهو يُشبه القلم الرصاص الطويل.. ويبلغ طوله حوالى ثلثي طول «اللاند كروزر»، وقطره يعادل تقريباً قطر خربزة كبيرة. ويبلغ وزنه حوالى تسعين كيلوجراماً، وعليه مجموعات زعانف صغيرة حادة الزوايا في الأمام والخلف.

وإليكم بعض تفاصيل قصته: خلال المعارك الجوية في الحرب العالمية الثانية، كانت صواريخ «جو - جو» التي تُطلق من طائرات ضد طائرات أخرى موجودة بوفرة، ولكنها كانت تعاني من تدني مستوى دقتها بسبب العديد من العوامل، ومنها عدم ثبات منصة الإطلاق على أجنحة أو بدن الطائرات. وبعد الحرب انصبت جهود الدول المتقدمة على تطوير عالم الصواريخ، وبالذات تلك التي تطلق من الطائرات ضد الطائرات الأخرى، فكان التركيز على توجيه صواريخ «جو - جو» باستخدام الرادار. وولدت في مخيلة أحد علماء الفيزياء الأمريكان واسمه «د. وليام مكلين» فكرة عبقرية لتبسيط الأمور في منظومة التوجيه، بعيداً عن تعقيدات الرادار. وكانت شبيهة بالتوجيه في أحد الثعابين الشهيرة التي تتبع البصمة الحرارية لفريستها.. ومن هنا وُلِدَ اسم الصاروخ. وتحديداً، وضع العالم فكرة وضع جهاز استشعار للحرارة. وكانت العبقرية هنا أن التوجيه سيأتي من الصاروخ نفسه، بدلاً من الطائرة، وأن يكون أبسط وأخف من أي أجهزة رادار. عند اقتراح الفكرة بنهاية الأربعينيات قُوبلت بالسخرية والرفض. وتم تهديد «د. مكلين» وفريقه بالطرد من مركز أبحاث القوات الجوية الأمريكية. وبعدها تحوّلت أبحاث الصاروخ إلى مركز أبحاث البحرية الأمريكية في قاعدة سرية صحراوية اسمها «بحيرة الصين». لم تكن بحيرة، ولا علاقة لها بالصين، فكانت ولا تزال في وسط صحراء قاحلة، وكان نشاطها عبارة عن شغل «دبابيس» عسكري من الطراز الأول. واستمرت موجات السخرية ضد الفكرة، فكان تطوير السلاح في غاية الصعوبة مالياً، وإدارياً، وعسكرياً، ونفسياً. وبالرغم من ذلك، نجح الصاروخ نجاحاً باهراً، وبدأ استخدامه في اشتباكات المقاتلات في سماء كوريا في مطلع الخمسينيات.

وخلال إحدى المعارك «نشب» أحد الصواريخ بأعجوبة في بدن طائرة ميج صينية ولم ينفجر، إلى أن هبطت بسلام. قدمته القوات الصينية كهدية إلى الجهات المعنية في الاتحاد السوفيتي، فتم نقل تصميمه وتصنيعه. ومن خلال عمل بعض الجواسيس، تم تسريب تفاصيل تصميمه من الغرب. وانتشر بعدها في مجموعة من البلدان، وأصبح من القصص الرائدة للنجاح التقني.

* أمنيـــــة:

قصص الأسلحة، وحواديت الصواريخ بشكل خاص، لها جوانبها المثيرة، ولكن للأسف كلها تنصبُّ في جوانب الدمار. أتمنى أن تفلح البشرية في تحويل تقنيات الأسلحة للسلام والعلاج، والتعليم والعمران وخدمة البشر بتوفيق الله، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store