الوقف بشكل عام نظام إسلامي عريق يحقق معنى التكافل الاجتماعي لو تمت إدارته بإتقان.
وقد تفرع من الأوقاف العامة «الوقف الأهلي»، وهو واسع الانتشار في بلادنا، ولكنه شهد بعض التعثّر عبر العقود الماضية، في الوقت الذي أقر مجلس الوزراء تحويل الأوقاف إلى هيئة مستقلة. واستبشر المختصون بهذا القرار، إلّا أن تفعيل الهيئة تم بعد سنوات عديدة، والممارسات العصرية التي تعيشها الهيئة تؤكد الرغبة الفعلية في التعويض عمّا فات، يشهد لها بذلك كل من يراقب عمل الهيئة والإنجازات التي تحققت.
فهنيئاً لكل من نذر نفسه لخدمة هيئة الوقف ومقاصدها المشروعة، وسبحان من جعل شريعته محكمة لا نزاع فيها، شاملة لكل العصور، واختص بعضاً من عباده ممن وقف نفسه لخدمة الآخرين، راجياً رحمة ربه وفضله وإحسانه، وهذا يسري على كل من عمل بالقطاع غير الربحي بمجالاته المختلفة.
والوقف الأهلي فيه معنى الصدقة، وخصّ بذلك الأقارب فيه، وتقديم العون للمحتاجين من مبانٍ سكنية تؤويهم، وتقديم الخدمات التعليمية، فضلاً عن الكسوة والطعام والسقاية.
لقد اعترى الوقف الأهلي بعض أمور صدرت من بعض الواقفين والنظَّار، رغم علمنا أن الوقف هو صدقة جارية، والحديث الشريف تضمن ذلك، جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وفسّر العلماء رحمهم الله أن المراد بالصدقة الجارية هو (الوقف)، وأن مما يؤلم المرء بعض تصرفات الواقفين من جانب، والنّظار من جانب آخر، بالرغم من وضوح الشارع في أركان الوقف وصحة شروط الواقف وشروط الموقوف، بل حتى الموقوف عليه. وحتى الولاية على الوقف، وكيف تثبت، والأحكام فيها، كشروط الولاية، ومن يستحق النظارة، وما يجوز للناظر، وكيفية محاسبة الناظر، وأجرته، وعزله.
لا أدعي أنني مطلع على كل ما صدر من هيئة الأوقاف التي تبذل جهداً استثنائياً للنهوض بالأوقاف من عثراتها السابقة، إلّا أن الوقف الأهلي ربما احتاج إلى المزيد من إعادة النظر في قضاياه، ما كان منها من شرط الواقف إذا كانت هذه الشروط تخالف الشرع، كحرمان بعض الورثة، أو شرطه بأن البنت إذا لم تتزوج ابن عمها فلا حقّ لها في الوقف، أو ما يتعلق بإهمال الناظر لتعمير الوقف، حتى يصل إلى مرحلة لا تحقق الفائدة منه.
وإن كانت هناك آراء في هذا الشأن بأن تخصص هيئة الأوقاف ما يُعين على تنمية الأوقاف، وتقديم القروض لإصلاح الوقف، ووضع الضوابط المنظمة لذلك.. والله المستعان.


