Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

الجمال الاصطناعي.. وقلب الموازين

A A
‏خلق الله الإنسان وفضّله على جميع الخلائق والكائنات.. فقد علّمه بالقلم وأعطاه الحكمة والعقل، والهيئة الحسنة، وبديع التركيب فقال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، ‏وفسر القرطبي ذلك بأن الله خلقه عالماً، متكلماً سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهي من صفات الرب التي أضفاها على الإنسان، ليكون خليفته في الأرض، بل هو أفضل صور الكائنات، (فالرأس بما اكتنزه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، واليدان بما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه..)، فكل ما في المخلوقات جُمعت فيه، ومع ذلك فهو ليس مكباً على وجهه.

‏كم هي نعمة عظيمة، ولكن للأسف لا يدركها الكثيرون.. ولجأوا إلى التغيير في خلق الله من خلال الجمال الاصطناعي، الذي انتشر في العشر سنوات الأخيرة بصورة تنبئ عن عدم القناعة بخلق الله، والنعم التي أعطانا إياها، ووصل حجم سوق عمليات التجميل في المملكة عام ٢٠٢٣م إلى ٧٩٠ مليون دولار ما بين البوتكس، والفيلر، والجراحات المتنوعة مثل: قص الجفون، وملاءة الخدود، والشفاه، هذا فضلاً على عمليات الجسم التي أصلاًً وُجِدَت لحالات قاهرة، مثل الإصابة بسرطان الثدي - لا قدر الله - وما يتطلب ذلك من عمليات ترميم ووضع السيليكون.. بل ربما يُلجأ لها بوجود عيب خُلقي يتطلب جراحة حتى لا يكون الشخص معرضاً للإحراج أمام الآخرين.. فهنا تكون عمليات التجميل ضرورة، ليكون العضو سليماً متوافقاً مع الآخرين في مظهره؛ مثل وجود نتوءات على الوجه، أو شفاه الأرنبة، أو بروز كبير للأذنين.. وغيرها.

‏كما أن العمليات التجميلية تستمر شهوراً فقط مثل: الفيلر والبوتكس، ثم يعود الجلد لوضعه الطبيعي، وهكذا تبقى المرأة في رحى عمليات التجميل طوال حياتها، مما يعرضها ‏لمخاطر صحية وترهل شديد للجلد. كما أن هناك مخاطر أثناء العملية مثل خطر الإصابة لا قدر الله بالجلطات ‏الدموية في الساقين والرئتين، خاصة لمن لديهم أمراض مزمنة مثل البدانة والسكري.. هذا فضلاً عن مخاطر ما بعد العملية مثل حدوث نزيف داخلي، وزرقة في الوجه في حالة قص الجفون ربما تستمر لعدة أشهر، بل ربما يتعرض الجرح للتلوث، والالتهابات الشديدة.

‏فإذا أضفنا إلى ذلك التأثير السلبي على اقتصاديات الأسرة والمشكلات الناتجة عن ذلك، فهذه العمليات تكلف عشرات الآلاف من الريالات.. قد يصل بعضها إلى ٥٠-٦٠ ألف ريال.

‏المشكلة أن هذا الهوس بعمليات التجميل أصبح يُقبل عليه الشباب والشابات، فأصبح الإنسان بعد غياب عن شخص ما؛ ثم لقائه، لا يكاد يتعرف على شخصيته من عمق التغيير.. طبعاً ليس بالضرورة من الجمال؛ بل ربما من القبح الذي ظهر في عدم التوازن بين تقاطيع الوجه.

ولأن الشعراء أشد الناس تأثراً بالجمال الطبيعي، وعدم استهواء ذلك الجمال المصطنع، فنرى الشاعر المكي محمد العرافي يقول:

‏سقى الله أوصافاً تلاشت رسومها

وأضحت من الماضي المعتقِ في البعدِ

فمن إبر البوتيكس ارتواء خدودها

ومن فيِلر التنفيخ مبسمها الوردي

عيناك هل هما حقاَ عيناك؟

أم كل ما فيها جنته يداك

* واسترسل في الوصف حتى ختم القصيدة بقوله:

ما أجمل الإبهار دون تصنع

فالسحر إلا تختفي عيناك!!

نعم الجمال الطبيعي وشيء بسيط من أدوات التجميل تكفي المرأة، وتعطيها الحق في التزيُّن والتجمُّل.

وهناك مظهر آخر خطير، وهو انتقال عدوى المبالغة في التجميل للصغيرات في عمر ٨- ٩ سنوات، وتراهن يتقاطرن على محلات التجميل والشراء بالمئات والآلاف من الريالات، مع أنهن يعتبرن في سن الطفولة المتوسطة!! ‏ومن أضرار ذلك ليس فقط إيذاء البشرة في سن مبكرة؛ بل تعرضهن للتحرش من ضعاف النفوس، على اعتبار أنهن ناضجات بوضع تلك المساحيق.. وهنا تأتي المسؤولية على الوالدين في حماية بناتهن من هذا الخلل الذي أصله حرية زائفة تمنح للطفولة، بل تربية غير قويمة اعتادت عليها الطفلة ربما من سن مبكرة، واهتمام الأم بوضع شيء من طلاء الأظافر وأحمر الشفاه لها، ومساحيق لا تتناسب مع براءة الطفولة، لأنها تقوم على الزيف، وهذا تدريب عملي على الجمال الاصطناعي.

يجب أن ندرك أن لكل عمر جماله الذي خصه الله للإنسان، فالطفولة ليست كسن المراهقة أو الرشد أو الكهولة؛ فكل له مميزاته. والجمال هو جمال الروح، وجمال الجوهر، ونقاء السريرة، وما قدمه الإنسان لوطنه وأمته كفيل بأن يعطيه الثقة بالنفس والاعتزاز بالذات، وليس بالضرورة الاعتماد على المظهر الخارجي فقط.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store