يرَى الفيلسوفُ (إمانويل كانط) أنَّ التَّعاليمَ الأخلاقيَّةَ، يجبُ ألَّا تكونَ حالةً مؤقَّتةً أو مزاجيَّةً، بلْ قيمةً إنسانيَّةً مُطلقةً، وقاعدةً أساسيَّةً يجبُ تطبيقُهَا فِي كلِّ الظُّروفِ، بِغضِّ النَّظرِ عَن المرجعيَّةِ الدِّينيَّةِ العقَديَّةِ أو المذهبيَّةِ أو الحالةِ الشَّخصيَّةِ، وأنَّ الأخلاقَ ليستْ بحاجةٍ إلى الدِّينِ مِن أجلِ قيامِهَا، بلْ هِي مُكتفيةٌ بذاتِهَا بحُكمِ طبيعةِ العقلِ نفسِهِ.
إنَّ الأنقياءَ يفعلُونَ الخيرَ لأنَّهُ خيرٌ بذاتِهِ، وليسَ لأنَّ مِن ورائِهِ مُكافأةً بالضَّرورةِ، ويتجنَّبُونَ الشَّرَّ؛ لأنَّهُ شرٌّ بذاتِهِ، وليسَ لأنَّ وراءَهُ عقوبةً بالضَّرورةِ. وفِي هذَا يقولُ الفيلسوفُ (برتراند راسل): «لستُ بحاجةٍ للتهديدِ بجهنَّم لأكونَ أخلاقيًّا».
ويرَى الدُّكتور (محمَّد شحرور) أنَّ «الدِّينَ عَلاقةٌ فرديَّةٌ باللهِ، لَا عَلاقة اجتماعيَّة»، وهُو ليسَ مصدرًا وحيدًا لضبطِ الأخلاقِ الإنسانيَّةِ، فالمصادرُ الأُخْرَى تشملُ التَّربيةَ والظروفَ الاجتماعيَّةَ والسِّياسيَّةَ والاقتصاديَّةَ، إضافةً إلى المنفعةِ الفرديَّةِ.
إنَّ الأخلاقَ مُقدَّمةٌ علَى الدِّينِ، والأديانُ تقومُ علَى أُسسِ الأخلاقِ، وليسَ العكس، كمَا أنَّ الأخلاقَ بمُجملِهَا إنسانيَّةٌ مُشترَكةٌ، وليستْ بالضَّرورةِ دينيَّةً خاصَّةً، لكنَّ مِن المنطقيِّ أنَّ الأديانَ تعزِّزُ الأخلاقَ الحميدةَ.
يلجأُ الإنسانُ العاديُّ إلى التمسُّكِ بالأخلاقِ والسُّلوكيَّاتِ السَّائدةِ لاحتياجِهِ العميقِ للأمانِ وبحثِهِ الجادِّ عَن الاطمئنانِ.
إنَّ الإنسانَ كائنٌ جبانٌ بطبعِهِ، يتملَّكهُ الرُّعبُ مِن اختلافِهِ معَ جُمهورِ النَّاسِ وثقافةِ مُجتمعهِ، على الرُّغمِ مِن أنَّ آراءَ المجتمعِ وأفكارَهُ المُتوارثةَ، قدْ تكونُ أكبرَ عائقٍ حقيقيٍّ لحريَّةِ الفردِ وإبداعِهِ.
إنَّ القيَمَ والعاداتِ والتقاليدَ الاجتماعيَّةَ، والموروثاتِ الثَّقافيَّةَ، تؤثِّرُ فِي أخلاقِ وسلوكيَّاتِ الإنسانِ، أكثرَ ممَّا تؤثِّرُ فيهِ المواعظُ والمُثلُ الدِّينيةُ المُجرَّدةُ.
وعلَى الرُّغمِ مِن ارتباطِ الطقوسِ الدِّينيةِ بالتَّديُّنِ، إلَّا أنَّ الطُّقوسَ الجماعيَّةَ تختلفُ عَن التديِّنِ الفرديِّ، فمُمارسةُ الطُّقوسِ تظلُّ شؤونًا اجتماعيَّةً تنظيميَّةً، لَا عَلاقةَ لهَا بالتديُّنِ الفرديِّ بالضَّرورةِ.
يقولُ الشَّيخُ (محمَّد الغزالي): «المُسلمُونَ الآنَ مُصابُونَ بتديُّنِ الشَّكلِ، لا تديُّنِ الموضوعِ، والدِّينُ عندمَا يتحوَّلُ إلى طقوسٍ ومرَاسِمَ يفقدُ قيمتَهُ؛ لأنَّ الدِّينَ قبلَ كلِّ شيءٍ قلبٌ حيُّ، وضميرٌ يقظٌ، وسريرةٌ نظيفةٌ».
إنَّ الطقوسَ الدِّينيةَ فِي حقيقتِهَا حاجةٌ اجتماعيَّةٌ، وانسجامٌ بشريٌّ، واستجلابٌ للأمانِ النَّفسيِّ الدِّينيِّ.
تقولُ الرِّوائيَّةُ (إليف شافاق): «إنَّ اللهَ لَا يأخذُنَا بِكلمتِنَا، بلْ ينظرُ فِي أعماقِ قلوبِنَا، وليستِ المَناسكُ أو الطُّقوسُ هِي التِي تجعلُنَا مُؤمنِينَ، بلْ إنْ كانتْ قلوبُنَا صافيةً أمْ لَا».


