Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

مشارب الناس في تلقي المعرفة

No Image

A A
لماذَا يخوضُ المرءُ جدالاتٍ ونقاشاتٍ معرفيَّةً لَا طائلَ منهَا إلَّا المتاعبَ؟! هلْ السببُ يعودُ إلى فحوَى القولِ أوْ إلى طبعِ المتلقِّي؟!

بالنظرِ إلى منصَّةِ (X) والتِي تعجُّ بالنقاشاتِ الجدليَّةِ الحادَّةِ والتراشقاتِ اللفظيَّةِ البذيئةِ والتحرُّكاتِ الهجوميَّةِ الجماعيَّةِ مِن طرفٍ لآخرَ وبعدَ التأمُّلِ فِي أحوالِ أصحابِهَا تجدُ أنَّ السَّببَ يعودُ إلى اختلافِ المشاربِ فِي تلقِّي المعرفةِ فالنَّاسُ فِي ذلكَ ثلاثةٌ:

الأوَّلُ أحاديُّ المعرفةِ؛ ينحصرُ صاحبهَا داخلَ نطاقٍ معرفيٍّ أحاديٍّ ويعوِّلُ علَى الحفظِ والتَّخزينِ، وهُو فِي الواقعِ يأخذُ وظيفةَ الدالةِ فِي البرمجةِ، حيثُ لَا يقبلُ إلَّا الصيغةَ المبرمجَ عليهَا، ومَا عداهَا يتمُّ رفضهَا.

والرفضُ أقصَى ما ينهجهُ أحاديُّ المعرفةِ أمامَ المعرفةِ الأُخْرَى وصاحبهَا، وأمَّا الثَّاني المُعتَد الجهولُ (يحسبُ كلَّ صيحةٍ عليهِ) إذْ يرَى أنَّ كلَّ معرفةٍ غيرِ معرفتهِ التِي اعتادَ عليهَا، والتِي تخرجُ وفقَ قناعتهِ ومبادئهِ وتصوُّرهِ تهديدٌ صريحٌ، وعدوانٌ ظالمٌ؛ ووجبَ عليهِ الدفاعُ، فينهالُ علَى صاحبِ المعرفةِ بالشتمِ والاستهزاءِ والطعنِ فِي قدراتِهِ العقليَّةِ دونَ أنْ يتطرَّقَ إلَى حيثياتِ المعرفةِ النقيضةِ لمعرفتِهِ؛ وهذَا مَا عليهِ أكثرُ النَّاسِ، والثَّالثُ ذُو المناعةِ المعرفيَّةِ، إذْ إنَّ صاحبهَا لديهِ مِن الفطنةِ مَا يتصوَّر بهِ بواطنَ المعرفةِ، ومِن العقلِ مَا يدركُ حقائقَهَا، ومِن الذكاءِ مَا يستقرُّ بهِ حفظُ مَا تصوَّرهُ وفهمُ مَا علمَهُ ويربطُ بينَ المعارفِ الجديدةِ والمجودةِ مسبقًا، فيبقَى علَى المفيدِ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذَهَبُ جُفَاءً.

ومسألةُ مشاربِ النَّاسِ الثَّلاثة فِي تلقَّي المعرفةِ ظهرتْ فِي القدمِ وستبقَى، وتطرَّق لهَا القرآنُ الكريمُ فِي مواضِعَ متعدِّدةٍ فذكرَ اللهُ -سبحانَهُ وتعالَى-: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ)، وهذهِ دلالةٌ علَى المشربِ الأوَّلِ «أُحادِي المعرفةِ»، كمَا دلَّ القرآنُ علَى المشربِ الثَّانِي «المُعتد الجهولُ» إذْ قالَ -جلَّ شأنُهُ-: (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)، أمَّا المشربُ الثَّالثُ فقد دلَّ الكتابُ المبينُ عليهِ بقولهِ: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).

وبالنَّظرِ إلى أصحابِ المشاربِ الثلاثةِ فهُم بينَ ثلاثةِ أحوالٍ فِي أنفسِهِم:

المشربُ الأوَّلُ فِي حالِ تقصيرٍ وإجحافٍ لَا يطلبُونَ شاردًا ولَا يقبلُونَ واردًا، وقدْ يفقدُونَ الموجودَ مِن المعرفةِ ولا يجدُونَ المفقودَ فيكونُونَ بينَ مصابٍ محزونٍ علَى مفقودٍ، وخائبٍ مغبونٍ علَى ما لمْ يجدْ.

والمشربُ الثَّانِي فِي حالِ تطرُّفٍ وإسرافٍ لَا يعرفُونَ الهدوءَ ولَا يشعرُونَ بالرِّضَا فهُم بينَ قلقٍ وتذمُّرٍ، فمَا يجدونَهُ عندهُم مِن معرفةٍ كَسَرَابٍ يَحْسَبُهُ الظَّمَآنُ مَاءً.

والمشربُ الثَّالثُ فِي حالِ عدلٍِ وانصافٍ، فهُم فِي نموِّ مُستدامٍ، أسعدُ مَن طلبَ المعرفةِ وأرفعُ النَّاسِ قدرًا.

واختلافُ المشاربِ تعودُ إلى البيئةِ التِي يُنشأ فيهَا البشرُ، وإلى الثقافةِ التِي يحصلهَا، وهِي باقيةٌ، ولنْ يستطعَ أحدٌ الحيلولةَ دونهَا، ولكنْ مِن الممكن تجنُّبِ مَا تؤولِ إليهِ هذهِ المشاربُ مِن شدٍّ وجذبٍ، وسخطٍ واحتدامٍ بينَ المُلقِي والمُتَلقِّي.

والغرضُ مِن كشفِ الأسبابِ المانعةِ لقبولِ المعرفةِ ومناقشتهَا؛ لصاحبِ كلِّ مشربٍ، ليسهلَ عليهِ فهمُ أغوارِ نفسهِ، ثمَّ يكونُ بعدَ ذلكَ سائسًا ومدبرًا لهَا، ويكونُ المُلقِي عارفًا بتعدُّدِ مشاربِ المُتَلقِّي؛ عندهُ مفاتيحُ الوصولِ لكلِّ صنفٍ مِن هذهِ الثلاثة، أوْ أنْ ينهجَ النهجَ القرآنيَّ: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا)، في أنْ يظهرَ مَا لديهِ مِن المعرفةِ، فإنْ جهلُوا عليهِ حلُمَ وَلمْ يسفْهُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store