Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

اللغة العربية والمصطلح العلمي

A A
يروِّجُ الغربيُّونَ ضمنَ صراعِ الحضاراتِ، وحملاتِ المستشرقِينَ، واستعلاءِ المستعمرِينَ، أنَّ لغتنَا العربيَّةَ عاجزةٌ عَن استيعابِ الكمِّ الهائلِ مِن «المصطلحاتِ» المنشأةِ للعلومِ الحديثةِ فِي بلادِهِم. ويغضُّونَ الطَّرفَ عَن أنَّ العربَ كانُوا هُم حفظةُ الإرثِ الحضاريِّ الإنسانيِّ وبالعربيَّةِ. وقدْ أقرَّ بذلكَ المنصفُونَ مِن أمثالِ المستشرقةِ سيقريد نولدكه فِي كتابِهَا «شمس العربِ تسطعُ علَى الغربِ»، والمستشرقِ (المستعربِ) الروسيِّ أوغناطيوس كراتشوفيسكي، في كتابِهِ «تاريخ الأدبِ الجغرافيِّ العربيِّ»، الذِي جمعَ فيهِ كثيرًا مِن إسهامِ العربِ فِي الفلسفةِ والعلومِ والجغرافيَا والفلكِ والطبِّ والصيدلةِ، وغيرها. ويسجِّلُ الغربُ فِي إرثهِ العلميِّ أسماءَ مثل ابن رشد، وابن سينا (إفيروس وأبي سين). يؤسِّسُون في الرياضيَّاتِ، وعلومِ الحاسوبِ والبرمجةِ بابًا كبيرًا يسمُّونَه الخوارزميَّات Algorithms نسبةً للخوارزميِّ العربيِّ. يقولُ الشَّاعرُ حافظ إبراهيم:

وَسِعْتُ كِتَابَ اللهِ لَفْظًا وَغَايَةً

مَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ

فَكَيْفَ أَضِيقُ الْيَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ

وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُخْتَرَعَاتِ

نتناولُ فِي هذهِ الإضاءةِ مكانةَ المصطلحِ العلميِّ مِن اللغةِ العربيَّةِ. ويُعرَّفُ المصطلحُ بأنَّهُ كلمةٌ أو عبارةٌ تواضعَ عليهَا مجتمعٌ أوْ مجمَّعٌ علميٌّ، أو اخترعَهَا مؤلِّفٌ مختصٌّ، ويُصاغُ بعبارةٍ موجزةٍ، وبلغةٍ بليغةٍ؛ ليؤدِّي الغرضَ الذِي مِن أجلهِ وُضعَ، وليحقِّقَ مراميَ العلمِ. ولنأخذ علَى سبيلِ المثالِ مصطلحَ «خاصيَّةِ البيتِ الزُّجاجيِّ» Greenhouse effect فِي علمِ المناخِ، فهُو يعنِي أنَّ الهواءَ يسخنُ مِن جهةِ الأرضِ، لَا مِن جهةِ الشَّمسِ، الأقربُ فالذِي يليهُ علوًّا، ذلكَ لأنَّه يعجزُ عَن امتصاصِ الأشعةِ الشمسيَّةِ القصيرةِ فينفذُ أغلبُهَا للأرضِ فتمتصُّهَا وتردُّهَا فِي شكلِ موجاتٍ حراريَّةٍ طويلةٍ بعدَ أنْ تسخنَ بهَا، وهنَا يتمكَّنُ الهواءُ مِن امتصاصِهَا. وهذهِ الخاصيَّةُ نجدهَا فِي البيتِ الزُّجاجيِّ فِي البلادِ الباردةِ تزرعُ بداخلهِ الخضراواتِ. وهُو يسمحُ للأشعةِ القصيرةِ الساقطةِ مِن الشَّمسِ بالنفاذِ إلى سطحِ الأرضِ، ويمنعُ غالبيةَ الأشعةِ الأرضيَّةِ الحراريَّةِ الطويلةِ مِن الهروبِ للجوِّ ويبقيهَا داخلَهُ لتوفِّرَ الدفءَ اللازمَ للنموِّ ومنع التَّجمُّدِ؛ ويمنعُ سقفهُ المحدَّبُ وقوعَ الجليدِ علَى النباتِ. لوْ ترجمنَا المصطلحَ حرفيًّا للبسنَا علَى القارئِ، فالخضرةُ ترجعُ لمنظرِ النباتِ مِن خلالِ الزجاجِ. وفِي بلادِنَا الحارَّةِ تنشأُ البيوتُ المحميَّةُ للمزروعاتِ لتؤدِّي وظيفةً معاكسةً تمامًا هِي الحدُّ مِن ضياعِ مياهِ السُّقيَا التِي يتسارعُ تبخًّرهَا بسببِ الحرارةِ الزائدةِ والرِّياحِ. وتُسمَّى (البيوت المحميَّة) وكانَ لهَا أنْ تُسمَّى (بيوت حمايةِ الخضراواتِ) Vegetable Shelter.

ولنَأخُذ مثالًا آخرَ يتعلَّقُ بالأخدودِ الإفريقيِّ العظيمِ The Great African rift valley وهُو الصدعُ الجيولوجيُّ الذِي امتدَّ مِن وسطِ إفريقيَا شمالًا، احتوَى بحيراتِ نياسا، وإدوارد، وألبرت، ثمَّ يتَّجهُ شرقًا ليفلقَ الهضبةَ الإثيوبيَّةَ ثُمَّ شمالًا لينشئَ البحرَ الأحمرَ والميِّتَ، بحيرة طبريَّة. وحديثًا سُمِّي «الوادِي المتصدِّع» وكانَ الأَوْلَى أنْ يُسمَّى «الوادِي الصَّدعِي» Rift valley؛ لأنَّهُ جيولوجيٌّ قديمٌ، حدثَ جملةً واحدةً وليسَ جيومورفولوجيًّا تصدَّع معَ الزَّمنِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store