يُحدِّثنِي صديقٌ يُمضِي إجازتَهُ السنويَّةَ فِي تركيَا؛ ويعيشُ علَى مسافةِ ساعةٍ ونصفِ الساعةِ مِن المدينةِ الشَّهيرةِ إسطنبول، بعيدًا عَن الازدحامِ، ويرويِ عَن لطفِ الأتراكِ، لاسيَّما تعاملهُم معَ الأطفالِ، ومنحهُم الفرصَ الكافيةَ لممارسةِ حريَّتِهم فِي اللَّعبِ والتنقُّلِ، معَ مراقبةٍ عَن بُعدٍ لتصرُّفاتِهم، لإبعادِهم عَن مكامنِ الخطرِ.
وعبرَ السنواتِ التِي قضاهَا معهُم، تعلَّم شيئًا مِن لغتِهِم، وأصبحَ قادرًا علَى التَّعاملِ معهُم، ووجدَ أنَّ المفتاحَ فِي التَّعاملِ معَ الأطفالِ هُو منحُهُم الثقةَ بالنَّفسِ مبكرًا، معَ الحرصِ علَى الاعتمادِ علَى النَّفسِ فِي معظمِ مَا يخصُّهم، وهذهِ السِّمةُ مرتبطةٌ بشكلٍ مباشرٍ بالثَّقةِ بالنَّفسِ، بصفتِهَا مفتاحَ النَّجاحِ لكلِّ إنسانٍ منَّا، وهِي الطريقُ إلى التفوُّقِ والشعورِ بالسَّعادةِ والرِّضَا.
لقدْ لاحظَ دورَ إمامِ المسجدِ الذِي يرتادُهُ، كيفَ يجمعُ بعضَ أطفالِ الحيِّ لتشجيعِهم علَى القيامِ بالعباداتِ التِي فرضَهَا اللهُ، ليكتسبَ الطفلُ المزيدَ مِن الثقةِ بنفسِهِ، للمضيِّ قُدمًا إلَى الأمامِ، كمَا لاحظَ أنَّ الأطفالَ يجتمعُونَ قبلَ صلاةِ الظُّهرِ بنصفِ ساعةٍ ويلعبُونَ ويتسابقُونَ داخلَ المسجدِ، والإمامُ يراقبُهُم عَن بُعدٍ، وبعضُهُم يتسلَّقُ الدَّرجَ إلى المنبرِ الذِي يقفُ عليهِ خطيبُ الجمعةِ، وبعضُهُم يقفُ فِي محرابِ الإمامِ، كلُّ ذلكَ يحدثُ دونَ أيِّ تدخُّلٍ مِن الإمامِ، حتَّى يُشعرَهُم بالطمأنينةِ. وقدْ علَّمهُم الصَّمتَ والهدوءَ عندَ سماعِ الأذانِ، وأنْ يصطفُّوا معَ بعضِهِم بعضًا لأداءِ السُّنَّةِ ثمَّ الفريضةِ، وإنْ بدَا مِن بعضِهِم بعضُ التحرُّكاتِ أثناءَ الصَّلاةِ، يتمُّ معالجتُهَا علَى انفرادٍ فِي اليومِ التَّالِي.
ويسهمُ الإمامُ وبإيعازٍ مِن بعضِ المتردِّدِينَ علَى المسجدِ فِي مكافأةِ بعضِهِم نظيرَ حفظِ بعضِ سورِ القرآنِ، أوْ رفعِ الأذانِ أو الإقامةِ.
ومِن جانبٍ آخرَ، فقدْ لُوحظَ حِرْص الأتراكِ علَى تدريبِ أطفالِهِم علَى السباحةِ بشكلٍ جماعيٍّ، وكذلكَ الحال فِي ركوبِ الخيلِ، أو سباقِ الدرَّاجاتِ أو الجَريِّ، حيثُ يؤدِّي العملُ الجماعيُّ إلى تحفيزِ الآخرِينَ علَى تحسينِ أدائِهِم.
ممَّا تقدَّم، نلحظُ أنَّ كلَّ الممارساتِ السابقةِ تُولِّدُ الثقةَ والابتعادَ عَن الإحباطِ، أو الأفكارِ السلبيَّةِ، والحرصَ علَى تنظيفِ القلبِ مِن كلِّ مشاعرِ الحقدِ والكراهيةِ والقلقِ، والسَّعيِّ للعيشِ ببساطةٍ ومحبَّةٍ معَ الآخرِينَ ومعَ النَّفسِ.
وأُضيفُ إلى مَا تفضَّلَ بهِ الصَّديقُ: أنَّ الأطفالَ وغيرَهُم يحرصُونَ علَى احترامِ وإجلالِ كبيرِ السِّنِّ، وهذَا يندرجُ تحتَ الثقافةِ التركيَّةِ التِي تقضِي بمراعاةِ كلِّ مَن يحتاجُ العَونَ، خاصَّةً المسِّنِينَ والمعاقِينَ أيًّا كانتْ إعاقتهُم.
وعودًا علَى بدءٍ.. كلُّ هذَا المناخِ الإنسانيِّ الحيويِّ لنْ يتأتَّىَ إلَّا مِن خلالِ الثِّقةِ باللهِ، ثمَّ بالنَّفسِ، وهِي المفتاحُ إلى النجاحِ المستقبليِّ. [email protected]


