عندمَا نتحدَّثُ عَن الحضارةِ بمفهومِهَا الواسعِ، فإنَّ ذلكَ يستوجبُ ذكر النموِّ الحضاريِّ فِي مختلفِ المناحِي الحياتيَّةِ كالمنتجاتِ الماديَّةِ والعلميَّةِ والثقافيَّةِ والاجتماعيَّةِ، فالحضارةُ أراهَا كالنبتةِ، تبدأُ صغيرةً، ثمَّ تكبرُ وتتفرَّعُ، ثمَّ تثمرُ، وهذَا بالطبع يستدعِي مَن يخدمهَا ويهتمُّ بهَا، ويعزِّزُ نموَّهَا، وهذَا النموُّ لوْ قسناهُ بحضاراتِ الأممِ المتقدِّمةِ لوجدنَاهَا لبثتْ فِي نموِّهَا مئاتِ السِّنِين، وبإسقاطِ ذلكَ علَى نموِّنَا الحضاريِّ الذِي عشناهُ فِي مملكتِنَا الحبيبةِ، لوجدنَاهُ قصيرًا جدًّا، لا يتجاوزُ مئةَ عامٍ، ومعَ ذلكَ فقدْ قفزنَا بالمعيارِ الحضاريِّ مئاتِ السِّنِين، وهذَا -والحمدُ للهِ- تمَّ بمنحِنَا القيادةَ الصالحةَ الصادقةَ المخلصةَ، ثم بمنحِنَا الكثيرَ مِن الثَّرواتِ العظيمةِ التِي استُثمرتْ خيرَ استثمارٍ مِن قِبلِ القيادةِ والشَّعبِ، فقبلَ فترةٍ مِن الزَّمنِ كانَ مجتمعُنَا فِي الجزيرةِ العربيَّةِ يعيشُ حياةً أقربَ إلى البداوةِ فِي كلِّ المكوِّناتِ الحضاريَّةِ، فعلَى سبيلِ المثالِ لَا الحصرِ كانَ وجودُ الكهرباءِ محدودًا جدًّا فِي بعضِ المدنِ، ويتولَّاهَا القطاعُ الخاصُّ، كمَا أنَّ توفيرَ المياهِ كانَ يتمُّ بصورةٍ بدائيَّةٍ، إمَّا عَن طريقِ الآبارِ، أوْ الينابيعِ التِي كانتْ فِي أغلبِ الأحوالِ تتعرَّضُ للجفافِ، أوْ كانتْ تتوفَّر عَن طُرقِ التحليةِ البدائيَّةِ فِي المدنِ الساحليَّةِ الكُبْرَى -آنذاك- والهاتفُ كانَ معدومًا فِي الكثيرِ مِن المناطقِ، أوْ كانَ بدائيًّا فِي المدنِ الكُبَرَى، وكذلكَ البريدُ، أمَّا وسائلُ الإعلامِ فكانتْ مقصورةً علَى جهازِ التلفزيونِ الذِي كانَ بثُّهُ لبضعِ ساعاتٍ فِي المدنِ الكُبْرَى فقطْ، وكانَ بثُّه لَا يتعدَّى برامجَ محليَّةٍ محدودةً، وكذلكَ البثُّ الإذاعيُّ الذِي كانَ أكثرَ فاعليَّةً كونِ الإرسالِ يصلُ أغلبَ المدنِ، أمَّا وسائلُ التَّواصلُ الأُخْرى فكانتْ شبهَ معدومةٍ إذَا استثنينَا بعضَ المؤسساتِ العسكريَّةِ والأمنيَّةِ، وهكذَا بقيَّة المقوِّماتِ الحضاريَّةِ بمَا فيهَا طُرقِ المواصلاتِ، والمستشفياتُ، ومَا يخصُّ الغذاءَ والكساءَ والدَّواءَ.
ثم حدث خلال تلك الفترة -القصيرة جداً في عمر الحضارة الإنسانية- انقلاب حضاري تضمن الكثير من منجزات الحضارات التي قامت بها الدولة -رعاها الله- شملت التوسع العمراني الهائل، والتوسع الهائل في إنشاء المشروعات التنموية في مختلف المناحي الحياتية دون تخصيص، ثمَّ حدثَ الانفجارُ الهائلُ المعرفيُّ والتقنيُّ، بدخول الإنترنت التِي جعلتْ مِن أبوابنَا مشرعةً علَى العالمِ أجمع، نستمدُّ مِن حضارتِهِ، ونستدلُّ بمسيراتِهِ، ونطَّلعُ علَى منجزاتِهِ التِي كانتْ كالسَّيلِ الجارفِ، فأصبحَ ذلكَ المجتمعُ المخضرمُ يواجهُ ذلكَ السَّيلَ الجارفَ مِن المتغيِّراتِ والحضاراتِ التِي جعلتهُ ينظرُ إلى العالمِ مِن حولِهِ كقريةٍ صغيرةٍ، فكانتِ النتيجةُ التِي لمْ يستوعبهَا البعضُ مِن أفرادِ المجتمعِ، ولمْ ينجحْ فِي التفاعلِ معهَا؛ كونهَا مثَّلتْ صدمةً حضاريَّةً كانَ لهَا الكثيرُ مِن النواتجِ العكسيَّةِ سلوكيًّا ومعرفيًّا، فازدوجتِ الشَّخصياتُ، ونتجَ عَن ذلكَ بعضُ الردودِ العكسيَّةِ الرَّافضةِ لذلكَ السَّيلِ الحضاريِّ؛ ممَّا نتجَ عنهُ أنْ استثمرَ البعضُ ذلكَ التطوَّرَ السَّريعَ استثمارًا عكسيًّا، لكنَّ اللافتَ للانتباهِ الآنَ أنَّ مجتمعنَا بمختلفِ أطيافِهِ بدأَ يتفاعلُ تفاعلًا إيجابيًّا، وفِي تسارعٍ غيرِ مسبوقٍ معَ كلِّ تلكَ المقوِّماتِ حتَّى أصبحنَا -والحمدُ للهِ- نقارعُ الدولَ المتقدِّمةَ فِي الكثيرِ مِن المناحِي الحضاريَّةِ، ويقينِي أنَّ هذَا النموَّ المتسارعَ سوفَ يختصرُ لنَا عقاربَ الزَّمنِ ليجعلَنَا -قريبًا- ضمنَ الدولِ المتقدِّمة حضاريًّا..
واللهُ مِن وراءِ القَصدِ.ِ


