يكتسبُ المكانُ قيمتَهُ ممَّا هُو لهُ، ومَا يقدِّم فيهِ، فالمدرسةُ لَا يُتوقَّعُ إلَّا أنْ تكونَ كمَا هِي لهُ، اكتسابًا للعلمِ، وتهذيبًا للخُلقِ، وارتقاءً بالإنسانِ إلى حيثُ أنْ يكونَ نافعًا لنفسِهِ، وأسرتِهِ، ومجتمعِهِ.
فيمَا يظلُّ أيُّ خروجٍ للمدرسةِ عَن هذَا المسارِ، مَا يمثِّلُ هدمًا فِي موضعِ بناءٍ، وحصولًا للمحذورِ فِي مكانِ الأمانِ، فكلُّ أُسرةٍ تُرسلُ أبناءَهَا إلى المدرسةِ، وهِي تَرَى أنَّها تسلِّمهُم إلى المكانِ الذِي (يرتقِي) بهِم، ويحقِّقُ فيهِم (ثنائيَّةَ) البناءِ التربيَّةَ، والتَّعليمَ، إلَّا أنَّه، وفِي حالاتٍ قدْ تكونُ المدرسةُ مصدرَ (ألمٍ)، وصانعةَ (كسرٍ) ممتدٍّ طوالَ العمرِ، كمَا هُو حالُ كلِّ طالبٍ أو طالبةٍ عاشَا بينَ أسوارِهَا تجربةً (قاسيةً) مِن (التنمُّرِ).
ذلكَ التنمُّرُ، الذِي تتنوَّعُ مصادرُهُ، وتختلفُ أساليبُهُ؛ ليصلَ فِي النهايةِ إلى أنْ يقدِّمَ للمجتمعِ (حطامَ) إنسانٍ، مَا يعيشهُ مِن ألمٍ داخليِّ أكبرُ بكثيرٍ ممَّا يظهرهُ مِن محاولاتِ (التعايشِ) معَ واقعٍ يُصرُّ علَى أخذِهِ إلى القاعِ رغمَ كلِّ محاولاتِهِ للخروجِ منهُ.
وأكبرُ مَا يكونُ وقع وألم (التنمُّر) علَى الطَّالبِ والطَّالبةِ أنْ يكونَ مصدرهُ المعلِّم أو المُعلِّمة، حيثُ إنَّه تنمُّرٌ أحاديُّ قطبِ القوَّةِ، حيثُ يُصبحُ الطالبُ الواقعُ تحتَ هذَا النوعِ مِن التنمُّرِ كمَن يقفُ تحتَ أشعةِ الشَّمسِ المُحرقةِ مِن دونِ مظلَّةٍ، حيثُ لَا حولَ لهُ هنَا، ولَا قوَّةَ فِي أنْ يدفعَ أو يدافعَ عَن نفسِهِ، فمصدرُ التنمُّرِ أقوَى مِن كلِّ قدراتِهِ.
فكمْ مِن طالبٍ عادَ إلى بيتهِ حاملًا اسمًا أُلغِي مِن علَى ألسنِ الطُّلابِ اسمهُ، وكمْ مِن طالبٍ حملَ وصفًا (يكرههُ)، هُو فِي واقعهِ تندرٌ مِن خِلقَتِهِ، وشكلِهِ، فأصبحَ لهُ (النِّداء)، الذِي يجرحهُ فِي كلِّ لحظةٍ، وكمْ هُو (معيبٌ) أنْ يكونَ مصدرُ ذلكَ معلِّمهُ، الذِي جاءَ إليهِ ليدَاوِيه، فأمرضَهُ.
وعَن تنمُّرِ الطلابِ فيمَا بينهم، فهُو واقعٌ، لا شكَّ أنَّه معَ ثورةِ قنواتِ التواصلِ، وسيادةِ (الفتوَّةِ)، وحبِّ السيطرةِ لدَى بعضِ الطُّلابِ، قدْ وصلَ إلى مراحلَ متقدِّمةٍ مِن (الألمِ) الواقعِ علَى كلِّ طالبٍ أو طالبةٍ يتعرَّضَانِ لتنمُّرِ زملائِهِم، وصولًا إلى درجةِ أنْ يصبحَ ذهابُهُم إلى المدرسةِ كابوسًا، والخروجُ منهَا مرفأَ (أمانٍ).
وأعظمُ مَا يمكنُ أنْ يدفعَ بالتنمُّرَ إلى أنْ يصبحَ مرضًا نفسيًّا، وعقدةً (مزمنةً)، أنْ يعيشَ الطالبُ (الخوفَ) مِن أنْ يشتكِي ممَّا يتعرَّضُ لهُ (يخافُ مِن المدرسةِ، ويخافُ مِن أسرتِهِ)، فلَا يكونُ أمامَه إلَّا أنْ (يكتمَ) وجعَهُ، الذِي قدْ يكلِّفهُ فِي بعضِ أحوالِ التنمُّرِ أنْ يصبحَ عبدًا مأمورًا ينفِّذُ كلَّ مَا يُطلبُ منهُ، وهذَا يعنِي أنَّه قدْ انتهَى كإنسانٍ كرَّمهُ اللهُ، وأبى خلقهُ.
فيَا كلَّ أسرةٍ كونُوا بقربِ أبنائِكم (صارحُوهُم) بمَا تتوقَّعونَ أنْ يواجهَهُم، كونُوا آذانًا مصغيةً لشكاواهُم، وعيونًا (ناقدةً) تلحظُ كلَّ تغيُّرٍ يطرأُ علَى سلوكِهِم، وتصرفاتِهِم، زورُوا مدارسَهُم، ناقشُوا معلِّميهِم، لَا تؤجِّلُوا معالجةَ أيِّ شكوَى تصدرُ منهُم، فأنتمُ برُّ الأمانِ لهُم، واحذرُوا أنْ تكونُوا والمجتمعُ المحيطُ بهِم عليهِم، فـ(تنمُّرُ المدارسِ) واقعٌ، وعلاجهُ بكلِّ بساطةٍ: (كونُوا بالقربِ من أبنائِكِم)، وعِلمِي وسَلامتكُم. [email protected]
@KhalidMosaid


