Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

عن الوهم والخرافة

A A
يظنُّ كثيرُونَ أنَّ المعرِفةَ مُنتشرةٌ على نِطاقٍ واسعٍ، في حينِ أنَّ وهْمَهَا هُو الأكثرُ انتشارًا، كما يَظهرُ جليًّا في مَهازِلِ المنصَّاتِ الاجتماعيَّةِ، ومعَ بعضِ أبطالِها المَغاوِيرِ، الذِينَ يتفنَّنُونَ فِي نشرِ التخلُّفِ والسَّطحيَّةِ والتَّجهيلِ والأفكارِ الرَّجعيَّةِ، ويتصدَّرُونَ مَشاهِدَ هَزليَّةً تُكرِّسُ الحَماقةَ والسَّفَهَ. إنَّ أكثرَ النَّاسِ فِي الواقعِ مُصابُونَ بأوهامِ المَعرِفةِ، ويجهَلُونَ أبسَطَ أُسُسِ الأدبِ والأخلاقِ والفُنونِ والفلسَفةِ وحتَّى التَّقنيةِ، ناهيكَ عَن أهمِّ الأحداثِ المِفصَليَّةِ في التاريخِ، الحَديثِ مِنهُ والغَابِر.

ما يظنُّهُ أحدُهُم حقيقةً مؤكَّدةً، قدْ لا تعدُو كونَها خُرافةً مُتوارَثَةً، أو قصّةً مُتواتَرَةً، فيها مِن الزَّيفِ ما يطْمسُ الحقيقةَ، أو أمثالًا شعبيَّةً تَورَّطَ في اتِّباعِها بِحذافيرِهَا خلقٌ كثيرٌ، وهي أقربُ إلى الوهْمِ وأحاديثِ المَجالِسِ. إنَّ الإنسانَ لا يَفهمُ إلَّا ما يقعُ ضِمْنَ أُطُرِهِ الفِكريَّةِ وموْروثاتِهِ الثَّقافيَّةِ ومُسلَّماتِهِ العَقَديَّةِ، ويميلُ إلى رفضِ ما لا يَستوعِبهُ عقلُهُ ضِمنَ تلكَ الحُدُودِ.. لذلِكَ فإنَّ مُعظمَ النَّاسِ ليسُوا أحرارًا فكريًّا كمَا يَظنُّونَ. حتَّى أنَّ الحقائقَ العِلميَّةَ المُؤكَّدةَ بالتَّجارُبِ والإثباتاتِ المُوثوقةِ، قدْ لا يسَعُهَا تَفنيدُ الخُرافاتِ لدَى كَثِيرينَ، فالتعصُّبُ للسَّلفِ والموْروثِ المنقُولِ، يُمكنُهُ غلبَةَ العِلمِ التجريبيِّ والتَّراكُمِ المَعرفيِّ وحُكمِ المَنطقِ والعَقْلِ.. ولكنْ، مَا أدْرَانَا! لعلَّ كَثيرِينَ يَطمئِنُّونَ بالأوْهامِ لَا بالحَقيقةِ، حتَّى لو كانتِ الحقيقةُ أساسَ تَحرُّرِهِم وانعتاقِهِم.

ومعَ انتشارِ الإحْباطاتِ والمُشكلاتِ الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ، والمُعاناةِ مِن اضطراباتِ المِزاجِ والقلقِ والشَّخصيَّة، ينتشرُ في المُقابِلِ الإعجابُ بالخُرافاتِ والأوهامِ كتلبُّسِ الجِنِّ وآثارِ الحَسدِ والعَينِ والتَّعطيلِ، والإصابةِ بالسِّحرِ وفكِّهِ، والهوَسِ بِتفسيرِ الأحلامِ، وهي سُلوكيَّاتٌ تنتشِرُ بينَ أفرادٍ مُتخلِّفِينَ فِكريًّا؛ مَهزومِينَ مَعرِفيًّا، ومُنهَكِينَ نفسيًّا، يَنتظِرُونَ الخَلاصَ مِن الغيْبيَّاتِ والإِيحاءاتِ والأسَاطيِر.

ومُؤخَّرًا، انتشرَ دجَّالُونَ مهوُوسُونَ مُدَّعُونَ مُتلوِّنُونَ، اقتَحمُوا منصَّاتِ التّواصُلِ الاجتماعيِّ بِحُجَّةِ تطويرِ الذَّاتِ، وعلومٍ زائفَةٍ كالطَّاقةِ والجذْبِ والأبْراجِ وتَفسيرِ الأحْلامِ، ودَعاوَى الحَسدِ والعيْنِ والسِّحرِ، ليلوُّثُوا العُقولَ ويُكرِّسُوا الوَسوَسَةَ والهَوسَ والجَهْلَ.

إنَّ الوهْمَ اختراعٌ بَشريٌّ نتاجَ حاجَةٍ نَفسيَّةٍ، فالعقلُ البَشريُّ قدْ لا يُمكنُهُ تحمُّلُ الحَقيقةِ المُجرَّدةِ، والأوْهامُ تُوفِّرُ للمَرءِ طُمأنِينةً نفسيَّةً وتَسويةً مَقبولةً لمُعضِلاتٍ كَثيرةٍ لا يَجِدُ لهَا تفسيرًا!. يقولُ «فولتير»: (الوهْمُ، يحتلُّ صدَارةَ كُلِّ المُتَعِ وأشْكالِ السَّعادَةِ). وحينَ يَتمسَّكُ المَرءُ بالحَقيقَةِ، فعَليهِ أنْ يَكونَ مُستعِدًّا لاحتمالاتٍ مُثيرَةٍ، فَكمَا قالَ (كانط): «إنْ كانتِ الحَقيقةُ سوفَ تقتُلُهُمْ.. دعْهُمْ يَموتُونَ!».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store