تمثِّلُ القمَّةُ العالميَّةُ للذَّكاءِ الاصطناعيِّ فِي نسختهَا الثالثةِ، والتِي تنطلقُ فعالياتُهَا اليومَ فِي مركزِ الملكِ عبدالعزيز الدوليِّ للمؤتمراتِ بالرياضِ، حدثًا بالغَ الأهميَّةِ، ينتظرهُ العالمُ أجمعُ لأسبابٍ متعدِّدةٍ، لاسيَّما بعدَ النجاحِ الكبيرِ الذِي حققتهُ النسختَانِ السابقتَانِ، وكانَ لهمَا أثرٌ كبيرٌ فِي تحديدِ كيفيَّةِ استخدامِ هذهِ التقنياتِ المتقدِّمةِ؛ التِي يتعاظمُ تأثيرهَا باستمرارٍ علَى حياةِ الأفرادِ والمجتمعاتِ.
فالقمَّةُ التِي تنظِّمهَا الهيئةُ السعوديَّةُ للبياناتِ والذكاءِ الاصطناعيِّ «سدايا» لمدَّةِ ثلاثةِ أيَّامٍ، تحتَ رعايةِ وليِّ العهدِ صاحبِ السموِّ الملكيِّ الأميرِ محمد بن سلمان -حفظَهُ اللهُ-، ستُركِّزُ علَى وضعِ الإطارِ الأخلاقيِّ الذِي يحدِّدُ الاستخدامَ الأمثلَ والمسؤولَ لمخرجاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ، وتحديدِ المسارِ الذِي ينبغِي أنْ تسيرَ عليهِ جهودُ تطويرِ هذهِ المخرجاتِ بمَا يصبُّ فِي مصلحةِ الإنسانِ، لذلكَ جاءَ اختيارُ شعارِ القمَّةِ «الذَّكاء الاصطناعِي لخيرِ البشريَّة»، ليُعبِّرَ بوضوحٍ عَن المخاوفِ التِي يشعرُ بهَا كثيرُونَ إذَا انحرفتْ جهودُ التطويرِ إلى النحوِ الذِي يشكِّلُ خطرًا داهمًا قدْ يُهدِّدُ الوجودَ البشريَّ.
مِن هُنَا يكمنُ سرُّ الاهتمامِ الكبيرِ بهذهِ القمَّةِ، التِي تجمعُ أكثرَ من 300 متحدِّثٍ، وتستضيفُ مجموعةً من الخبراءِ المتخصِّصِينَ فِي الذكاءِ الاصطناعيِّ مِن 100 دولةٍ، وتشتملُ علَى مَا يزيدُ علَى 120 جلسةً وورشةَ عملٍ، بحضورٍ واسعٍ للمسؤولِينَ والمتخصِّصِينَ فِي تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ، وصنَّاعِ السياساتِ، والرؤساءِ التنفيذيِّينَ لكُبْرَى الشركاتِ التقنيةِ.
هذهِ الكوادرُ العالميَّةُ، سوفَ تجتمعُ لتبادلِ الأفكارِ والرُّؤَى التِي توظِّفُ هذهِ التقنياتِ لتسريعِ التنميةِ المستدامةِ فِي مختلفِ المجالاتِ، لبناءِ حاضرٍ مزهرٍ ومستقبلٍ أفضلَ للأجيالِ القادمةِ، إضافةً إلى بحثِ قضايَا الابتكارِ والصناعةِ فِي مجالِ الذكاءِ الاصطناعيِّ، ونقاطِ التحوُّلِ لتشكيلِ مستقبلٍ أفضلَ للبشريَّةِ، وتطويرِ بيئةٍ محفِّزةٍ للطاقاتِ البشريَّةِ فِي هَذَا المجالِ.
وممَّا يزيدُ مِن أهميَّةِ القمَّةِ، التِي تأتِي فِي منعطفٍ تاريخيٍّ هامٍّ يشهدُ فيهِ العالمُ حالةً كبيرةً مِن الاستقطابِ فِي ظلِّ تزايدِ الصراعاتِ العالميَّةِ، أنَّ مخرجاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ يمكنُ أنْ تلعبَ دورًا كبيرًا في ازدهارِ الحياةِ البشريَّةِ، حيثُ تمتلكُ إمكاناتٍ هائلةً لتعزيزِ نموِّ التعليمِ والصحَّةِ والزراعةِ والتنميةِ المستدامةِ، وفِي الوقتِ ذاتِهِ فإنَّها يمكنُ أنْ تصبحَ عنصرَ فناءٍ وتدميرٍ للبشريَّةِ، إذَا تمَّ استخدامُهَا بطريقةٍ خاطئةٍ.
فالعالمُ الذِي يعانِي مِن مخاطرَ سباقِ التسلُّحِ النوويِّ، ليسَ فِي حاجةٍ إلى المزيدِ مِن الصراعاتِ التِي تؤجِّجُ التوترَ الموجودَ أصلًا، لاسيَّما أنَّ أسلحةَ الدمارِ الشاملِ يمكنُ أنْ تقعَ فِي أيدِي الجماعاتِ الإرهابيَّةِ التِي سوفَ تستخدمهَا بدونِ شكٍّ بطريقةٍ غيرِ مسؤولةٍ، تؤدِّي إلى إيقاعِ المزيدِ مِن الضحايَا؛ ممَّا يدخلُ العالمَ بأكملِهِ فِي دوامةٍ مِن الفوضَى لَا يعلمُ أحدٌ سِوَى الله تعالَى مَا يمكنُ أنْ تسفرَ عنهُ.
لذلكَ، فإنَّ الأنظارَ تظلُّ شاخصةً نحوَ السعوديَّةِ، لاسيَّما أنَّ القمَّةَ ستشهدُ إطلاقَ مبادرةٍ بالتعاونِ مع اليونيسكُو، تهدفُ إلى توفيرِ إطارٍ شاملٍ لتقييمِ النضجِ الأخلاقيِّ لنظمِ الذكاءِ الاصطناعيِّ، وتيسيرِ التعاونِ لتعزيزِ البحوثِ والتطبيقاتِ ذات العلاقةِ، ومناقشةِ ومواءمةِ إستراتيجيَّاتِ النهوضِ بالذكاءِ الاصطناعيِّ المسؤولِ علَى مستوَى العالمِ، إضافةً إلَى تسهيلِ التعاونِ فِي مجالاتِ البحوثِ وتبادلِ البياناتِ والمعرفةِ لتطويرِ التطبيقاتِ ودمجِ المعاييرِ الأخلاقيَّةِ وتطبيقِ أفضلِ الممارساتِ.
هذه المبادرة المتميزة؛ تأتي ضمن الجهود المشتركة المتواصلة التي تبذلها المملكة للارتقاء بأنظمة الذكاء الاصطناعي، ووضع معايير أخلاقية تعزز الاستفادة من تطبيقاته، وتضمن توفير محتوى يراعي القيم الدينية والإنسانية والأخلاق، ويضمن سلامة الأسرة والمجتمع، إضافة إلى التنسيق مع المؤسسات الدولية للمساهمة في الالتزام بالاستخدام الصحيح.
وهكذَا هِي المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ علَى الدَّوامِ، سبَّاقةٌ للمبادرةِ بتقديمِ مَا يُحقِّقُ الصَّالحَ العامَّ، ومبادرةٌ لقيادةِ التنسيقِ الدوليِّ لدرءِ المخاطرِ وتبديدِ المخاوفِ. وممَّا يثيرُ الإعجابَ أنَّها سبقتْ كافَّةَ دولِ العالمِ فِي الالتزامِ بهذهِ الأخلاقيَّاتِ، وتوسَّعتْ فِي توظيفِ هذهِ المخرجاتِ التقنيةِ الحديثةِ بالشكلِ الذِي يحققُ مصلحةَ مواطنِيهَا والمقيمِينَ علَى أرضِهَا. لكنَّهَا لمْ تكتفِ بذلكَ، وهَا هِي تمدُّ أياديهَا للجميعِ للتنسيقِ وتوحيدِ الجهودِ نحوَ التقيُّدِ بميثاقٍ عالميٍّ يقودُ إلى الاستفادةِ المُثلى مِن المخرجاتِ التقنيةِ، وهِي مؤهَّلةٌ للقيامِ بهذَا الدورِ العظيمِ.


