هي كلمة تاريخية جميلة تصف التملص والخداع، وتصف أيضاً الحركة التي تسعي للتربص والأذية.. وسأعود لمفهوم اللسلسة بعد 143 كلمة من هذه النقاط.. هذا المقال عن الطيران، وتحديداً هو عن الطائرات التي يصفها البعض بأنها «بدون طيار».. وهذه التسمية غير دقيقة، فكون الطيار أو مشغل المركبة خارجها لا ينفي وجوده.. ويستثنى من ذلك المركبات ذاتية القيادة، والمقصود هنا هو المركبات المبرمجة تماماً، لدرجة أنها لا تحتاج لأي تدخل آدمي للتحكم في حركتها، ولا ينطبق هذا الوصف على معظم تلك المركبات.. لا تزال الأسماء كثيرة ومنها المركبات أو الطائرات «ذات التحكم عن بعد»، و»المسيرات».. بداياتها جاءت مع بدايات الطيران في مطلع القرن العشرين، ولكن تطوراتها العسكرية كانت مركزة في ألمانيا بنهاية الحرب العالمية الثانية، عندما صممت مسيرات سلاح الانتقام V1 «فرجل تونجس وافه»، وكانت عبارة عن طائرات مسيرة ومبرمجة لضرب أهداف مدنية، بحجم يعادل ضعف طول «اللاندكروزر» تقريباً.. صممت لتحمل قنبلة وزنها حوالى تسعمائة كيلوجرام، وأطلقت من شمال ألمانيا وفرنسا ضد المدن الإنجليزية بشكل خاص.. واستمر تطويرها بعد الحرب لاستخدامات التجسس الجوي.. ومن هنا جاء مصطلح «اللسلسة».
كانت إحدى الخصائص المطلوبة لتلك المركبات هي البقاء في الجو للمراقبة والتصوير الجوي لساعات طويلة، ولكنها لم تكن فعالة، لأن الأفلام الفوتوغرافية كانت تحتاج للتحميض عند عودتها لقواعدها.. جاءت نقطة تحول رئيسة منذ حوالى خمسين سنة؛ عندما تم تطوير تقنيات التصوير بالفيديو، ثم تقنين ذلك لنقل الصور على الهواء.. وتم التركيز على فنون التحليق لأوقات أطول فوق المناطق المراقبة، لنقل الصور بطرق أكثر دقة.. وتزامنت تلك التطورات مع تنمية القدرات الهجومية للمسيرات من خلال مجموعة تطورات.. وتحديداً، كانت في أجهزة الملاحة باستخدام الأقمار الصناعية، والتسليح، وأجهزة التصويب، والاتصالات، والتحكم الدقيق عن بعد.. وبالرغم من التطورات الهائلة فلم تلعب المسيرات أدواراً أساسية في حرب الخليج، وتحرير الكويت الشقيق، ولكن أدوارها كانت أساسية في حرب البلقان في مطلع التسعينيات، ثم في حربي العراق، وأفغانستان في مطلع الألفية.. وإحدى التطورات المهمة في هذا المجال هو أن القوى الأساسية في تطوير تقنيات المسيرات لم تقتصر على الدول العظمى فحسب، فالكيان الصهيوني كان له مكانة في تلك الصناعات، وبدأت بعض الدول الأخرى في الخوض في المجال بجدية، وفي مقدمتها الصين، وتركيا، وإيران.. ومن المزايا الأساسية كانت، ولا تزال تكلفة تلك المسيرات.. واليوم، نشهد بعضاً من أغرب تغيرات تقنية الحروب.. مسيرات «بيرق دار» التركية تستخدم من القوات الأوكرانية لضرب الأهداف الروسية ضربات موجعة من الجو.. والمسيرات الإيرانية من طراز «شاهد» ومشتقاتها؛ تستخدم من القوات الروسية لضرب الأهداف الأوكرانية في هجماتها الانتحارية.. وفي حرب غزة تستخدم المسيرات الإيرانية ضد قوات الكيان.. وهناك أيضاً المسيرات الإسرائيلية التي تستخدم للمراقبة والغارات المدمرة للبشر والعمران.. طائرات «رايحة جاية» وطواقم طيرانها بعيدة عنها، وكأنها من ضرب الخيال.. والعديد منها تكلفته تعادل تكلفة وانيت «الهايلوكس» أبوغمارة واحدة.
* أمنيـــــة:
أتوقع أننا سنسمع الكثير عن أسلحة «اللسلسة» الجوية.. المسيرات تطورت في قدراتها، وتكاليفها، وتوفرها من دول مختلفة غير متوقع وجودها في ساحة التسليح الحديث.. وللأسف أننا نشهد اليوم استخداماتها ضد المدنيين الأبرياء، بالذات في الحرب ضد أهالي غزة.. أتمنى أن يكف الأذى عنهم اليوم، وأن نشهد المزيد من الاستثمارات في مجال تقنية وتطبيقات المسيرات للأغراض السلمية، علماً بأن هذه التقنيات موجودة عندنا على أرض الوطن، وهذا موضوع مقال قادم بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.


