إنَّ البيتَ الذِي ليسَ فيهِ ذكرٌ لرسولِ اللهِ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ، ولَا قراءةٌ لسيرتِهِ النبويَّةِ والإنسانيَّةِ، بيتٌ منزوعُ البركةِ؛ لأنَّ اللهَ -سبحانَهُ وتعالَى- يقولُ: «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا»، فرسولُ اللهِ لهُ عندَ ربِّهِ مكانةٌ خاصَّةٌ ومن ذلكَ بركةُ ذكرِهِ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ بنصِّ الكتابِ والسُّنَّةِ، فمِن الضروريِّ جدًّا أنْ تدرَّسَ سيرتهُ فِي المدارسِ والبيوتِ، معَ أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بشرٌ إلَّا أنَّه ليسَ كأيِّ أحدٍ مِن البشرِ، فقدْ منحَهُ اللهُ -سبحانَهُ وتعالَى- تميُّزًا عَن البشرِ بأنَّه نبيٌّ ورسولٌ ومبعوثٌ رحمةً للعالمِينَ، وأنَّه ذَو أوصافٍ خُلقيَّةٍ وخَلقيَّةٍ، وهُو ذُو جَمالٍ وطَلعةٍ بهيَّةٍ كمَا جاءَ فِي وصفِ حسَّان ابن ثابتٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-:
وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَينِي
وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقتَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيبٍ
كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقتَ كَمَا تَشَاءُ
حتَّى فِي تعاملِهِ كبشرٍ تراهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أرقَى البشرِ «إنسانيَّةً»، و»تعاملًا»، و»أخلاقًا»، ولكُمْ أنْ تتصَّورُوا مشهدًا مِن إنسانيَّتهِ الرَّاقيةِ، يدخلُ مكَّة المكرَّمة يومَ الفتحِ بحضورِ القياداتِ والجنودِ، وقدْ أحاطَ جيشهُ وتعدادُهُ عشرةَ آلافِ شخصٍ بمكَّة مِن جميعِ الجهاتِ، ثُمَّ يحينُ وقتُ صلاةِ الظهرِ، فيأمرُ «بِلالًا» أنْ يرقَى الكعبةَ للأذانِ، وجميعُ مشركِي مكَّة بينَ يديهِ فِي ساحةِ الحرمِ مطأطأةٌ رؤوسهُم، خاضعةٌ أُنوفهُم، ينتظرُونَ محمَّدَ الرَّسولَ القائدَ أنْ يقولَ كلمتَهُ فيهِم ويصدرُ حُكمَهُ عليهِم وعَن يمينهِ أبوبكرٍ وعمرُ، وعَن يسارِهِ عثمانُ وعليٌّ، وحولَهُ بقيَّةُ الصَّحابةِ مِن المهاجرِينَ والأنصارِ والقبائلِ التِي أسلمتْ معَهُ، مشهدٌ مهيبٌ لَا ينساهُ التَّاريخُ، فخرجَ عليهِم -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- والكلُّ ينتظرُ منهُ إصدارَ حُكمِ الإعدامِ فيمَن عادُوه وقاتلُوه فِي بدرٍ وأُحدٍ والأحزابِ، ومَن طاردَ أصحابَهُ، ونهبَ أموالَهُم فِي مكَّة، خرجَ فبادرَهُم بحمدِ اللهِ، شاكرًا فضلَهُ علَى هذَا التَّمكينِ فِي فتحِ مكَّة، وطرحَ سؤالًا فِي السَّاحةِ علَى مسامعِ الجميعِ مناديًا مَن يخصُّهُم حُكمُ الإعدامِ: يَا معشرَ قريشٍ ماذَا تظنُّونَ أنِّي فاعلٌ بِكُم؟ فبكَى أبوسفيان، وبكَى جميعُ مَن فِي ساحةِ الحرمِ، وقالُوا: أخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريمٌ، قالَ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: اذْهَبُوا فَأَنْتُم الطُّلَقَاءُ عفَا اللهُ عنكُم، عظمةُ الإنسانِ وأخلاقُهُ تكمنُ فيمَا بعدَ تمكُّنهِ، وإنسانيَّتهِ تتجلَّى فِي عفوِهِ بعدَ مقدرتِهِ، أخلاقٌ ترفعُ مِن مقامِ صاحبِهَا عَن أنْ يكونَ بشرًا عاديًّا، صحيحٌ أنَّه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كينونةٌ بشريَّةٌ، لكنَّهُ محاطٌ بخصائصَ ربانيَّةٍ قدْ خصَّهُ اللهُ بهَا، فيعيشُ معَ النَّاسِ وَهُو نبيٌّ ورسولٌ ببشريَّتهِ لَا يتعالَى، ولا يتكبَّرُ، ولا يسمحُ لأحدٍ بأنْ ينزلَهُ منزلةً تعلُو علَى منزلةِ البشرِ؛ حرصًا منهُ علَى التَّعريفِ الذِي منحهُ اللهُ إيَّاهُ بأنَّهُ عبدٌ للهِ، فهُو مَن كتبَ سيرتَهُ القرآنُ الكريمُ بقولِهِ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، فهُو عبدٌ للهِ، وتحدَّث عنهُ فقالَ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) شهادةُ سيرةٍ وسلوكٍ مِن ربِّهِ، ثُمَّ خصَّهُ اللهُ بأنْ يكونَ نبيًّا ورسولًا، فالخطابُ الرسميُّ مِن اللهِ لهُ فِي القرآنِ الكريمِ هُو: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، أو (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ).
من العجب أن يكون هناك أقوام يذهبون إلى الإساءة إليه -عليه الصلاة والسلام- بادعاء النبوة أو القداسة لأحد غيره من الخلق، حتى ولو كان ذلك الخلق من أقرب الناس إليه، أو من آل بيته، فإن ذلك مما فيه تعد على نبوته، وما أرسله الله به، ليس هناك أحد كمحمد -صلى الله عليه وسلم- لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ولا نبي بعده.


