تلقَّيتُ إهداءً جميلًا مِن الدكتورةِ سونهام يغمور، عبارةً عَن كتابٍ بعنوانِ «القوَّة الجَميلَة: لَا أحدَ يُولدُ قويًّا»، شاركَ فِي تأليفهِ -عبرَ مقالاتٍ متنوِّعةٍ- مئةُ وخمسُونَ شخصًا، بإشرافِ الأستاذِ صالح عبدالعزيز دردير، كلُّ عنوانِ مقالٍ مِن المقالاتِ يتصدَّرهُ كلمةُ قوَّة: قوَّة البحثِ العلميِّ، قوَّة الحُبِّ، قوَّة العلمِ، قوَّة الطُّموحِ، قوَّة الرِّضَا، قوَّة الاعتذارِ، قوَّة الحُجَّةِ، قوَّة البصيرةِ، قوَّة الوعيِ، قوَّة التَّغيُّر، قوَّة الجودةِ، قوَّة التأثيرِ، قوَّة التميُّزِ، قوَّة الأملِ، قوَّة الشَّغفِ، قوَّة الذَّكاءِ العاطفيِّ.. وهكذَا بقيَّة المقالاتِ، كلُّ مقالٍ تتصدَّرهُ كلمةُ «قوَّة» فلماذَا تمَّ استخدامُ كلمةِ قوَّة؟
جاءَ فِي مقدَّمةِ الكِتابِ «أنَّ القوَّةَ قيمةٌ لكلِّ القيمِ التِي نحتاجُهَا فِي حياتِنَا، وأوْلَى القيمِ هِي قيمةُ العلاقةِ باللهِ -سبحانَهُ وتعَالَى- لذلكَ كانَ التوجيهُ لسيِّدنَا يحيَى -عليهِ السَّلامُ-: (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)، وفِي الحديثِ «إنَّ المُؤمِنَ القَويَّ خيرٌ وأحبُّ إلَى اللهِ مِن المُؤمنِ الضَّعيفِ»، فالقوَّةُ معنَى يسرِي فِي كلِّ معطياتِ الحياةِ حتَّى الفشل فيهِ قوَّةٌ تكمنُ فِي معانِي البحثِ عَن أسبابِهِ وتجدُّدِ روحِ التحدِّي لمَا هُو مطلوبٌ.
ومقالُ الدكتورةِ «سونهام» بعنوانِ «قوَّة البحثِ العلميِّ»، فالبحثُ العلميُّ طريقُ العالمِ والإنسانيَّةِ للمعرفةِ واكتشافِ الجديدِ منهَا، وتكمنُ قوَّةُ البحثِ العلميِّ بأنَّه يصنعُ حضارةً ويقودُ أُممًا إذَا انضبطَ بأخلاقيَّاتٍ إنسانيَّةٍ، وهُو حقٌّ مُشاعٌ لكلِّ البشرِ، وعملٌ تراكميٌّ تجتمعُ عليهِ عقولُ كلِّ البشرِ؛ لفكِّ شفراتِ الغائبِ مِن العلمِ؛ لذلكَ مَا أنْ ينشرَ باحثٌ بحثًا جديدًا حتَّى يأتيَ آخرُ فيكملُ قصَّةَ الجديدِ ببحثٍ آخرَ نجدُ منهُ نتائجَ أُخْرَى إمَّا تأكيديَّة أو جديدة، وهكذَا تزدادُ قوَّتهُ يومًا بعدَ يومٍ، وتخدمُ البحثَ العلميَّ اليومَ قواعدُ البياناتِ الإلكترونيَّة، ووسائلُ التقنياتِ الحديثةِ، وتعملُ على تسهيلِ أدائهِ ونشرِ أبحاثِهِ بأسرع مِن البرقِ.
إن إحراز التقدم في البحث العلمي، وصناعة القيادة والقوة فيه، إنما يكون بالدعم المادي اللا محدود، فنظرة إلى ميزانيات البحث العلمي في الدول المتقدمة مقارنة بميزانيات الدول الأخرى يتضح ويتأكد أن قوة البحث العلمي من قوة دعمه، وأن السر يكمن في ميزانيته، وأن هناك بونا شاسعا لا يقارن جعلنا نفقد البحث العلمي كقوة ناعمة في العالم العربي.
ليسَ صحيحًا أنَّ البحثَ العلميَّ تصدرُ عنهُ منتجاتٌ بحثيَّةٌ تطبيقيَّةٌ وصناعيَّةٌ ١٠٠٪، فكلُّ الجامعاتِ المتميِّزةِ فِي البحثِ العلميِّ منتجاتُ أبحاثِهَا التطبيقيَّة والصناعيَّةِ لا تزيدُ عن ١٠٪ مِن مجموعِ إنتاجِهَا البحثيِّ، لكنَّها تعيشُ بحثًا متقدِّمًا فِي كلِّ المجالاتِ وجميعِ الفروعِ، لذلكَ فإنَّ هيئةَ البحثِ والتطويرِ والابتكارِ اليومَ فِي المملكةِ وهِي تقودُ دفَّةَ البحثِ العلميِّ مدعوَّةٌ ألَّا تنتظرَ طويلًا فِي دعمِ المقترحاتِ البحثيَّةِ؛ لأنَّ عجلةَ العلمِ فِي تسارعٍ، وإنتاجِ كلِّ جديدٍ، وأنْ يكونَ دعمُهَا دعمًا لَا محدودًا؛ كَي تصنعَ قوَّةً بحثيَّةً وطنيَّةً، مِن خلالِ باحثِينَ وباحثاتٍ مِن شبابِ وشابَّاتِ الوطنِ، فالأوطانُ قويَّةٌ بحثيًّا بسواعدِ أبنائِهَا وبناتِهَا مِن الباحثِينَ والباحثاتِ، فبهِم يُولدُ البحثُ العلميُّ قويًّا.


