كم نشعر بالفخر والاعتزاز ونحن نحتفي بيومنا الوطني 94، وما وصلت إليه إنجازات الدولة السعودية التي سابقت أعتى الدول والحضارات.. ولعلي أثبت ما استشهد به صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل حين ذكر مقولة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- حينما سألة صحفي عن رؤيته لمستقبل المملكة بعد 50 عاماً، فكانت إجابته: «أنه يرى السعودية مصدر إشعاع للإنسانية».
قال ذلك خلال الاحتفال بمرور 50 عاماً على تأسيس الصندوق السعودي للتنمية، وأكد سموه: «وها نحن اليوم نرى بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز رؤية الملك فيصل تتحقق في رؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء».
وقد أثارت هذه الشهادة التاريخية تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أثارت الحماس في نفسي، لأثبت جزءاً من هذه المقولة للإحسان الداخلي والخارجي للدولة السعودية؛ فهذا الصندوق الذي تأسس بالمرسوم الملكي رقم م/٤٨ في ١٤/٨/١٣٩٤هـ، وأُنشئ كمؤسسة حكومية تعنى بتقديم الدعم الإغاثي لتمويل مشاريع في الدول النامية بقروض ميسرة، للإسهام في تحسين المستوى المعيشي للمجتمعات الأشد فقراً في إفريقيا وآسيا والباسفيك وشرق أوروبا.. وغيرها بمشاريع صحية، وتعليمية، واجتماعية، وزراعية، وصناعية.. وغيرها حتى بلغت إجمالي المشاريع ٧٤١ مشروعاً تنموياً بإجمالي تمويل ٧٨ مليار ريال؛ بحيث يكون الصندوق السعودي شريكاً إستراتيجياً شاملا وممكناً للتنمية الاقتصادية المستدامة في دول العالم النامية.
ولكن السعودية ليست مصدر إشعاعاً للإنسانية بهذا الصندوق التنموي فقط، ولكنها ترعى الكثير من المشاريع والمراكز والمنصات التي تساهم في دعم الشعوب؛ فمركز الملك سلمان للإغاثة؛ أحد أهم المشاريع التنموية الإنسانية العالمية، حيث يقوم على تقديم الدعم للفئات المتضررة؛ وهو مركز رائد للإغاثة والأعمال الإنسانية -بما لا يتعارض مع المصالح الوطنية- فيقوم بمساعدة الشعوب في الكوارث الطبيعية، والأزمات السياسية، وتقديم السلال الغذائية، والخدمات الطبية.. ومؤخراً دعم الشعب الفلسطيني بكافة أنواع الإغاثة، ومنها سيارات الإسعاف والآلاف من الأطنان من الأغذية والأدوية. ولقد بلغت عدد المشاريع أكثر من (٣٠٥٣ مشروعاً) بتكلفة إجمالية أكثر من (٧ مليارات ريال)، شملت (١٠٢ دولة)، وكانت أكثر الدول المستفيدة اليمن وفلسطين وسوريا والصومال.
وساهم في إيصال الدعم للدول وإشراك أبناء الوطن في مسيرة الإحسان وجود منصة (ساهم)، حيث بضغطة زر ومن خلال البطاقة البنكية يصدر التبرع، وكذلك بوجود منصة أخرى وهي منصة (إحسان)، وهي التي تم تأسيسها بناء على الأمر السامي، وتضم نخبة إشرافية مكونة من ثلاث عشرة جهة رسمية من الوزارات منها: الداخلية والمالية، والصحة، والبنك المركزي السعودي، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.. وكل هذه الجهات هي لتمكين القطاع غير الربحي في دعم المجتمع الداخلي لتعزيز قيم الانتماء الوطني والمسؤولية الاجتماعية لدى الأفراد؛ وضبط المنصة بالحوكمة، بحيث تصل للمستفيدين داخل المملكة وخارجها وفق ما يردها من مشاريع، وبأسرع وقت ممكن؛ حيث تشرف (سدايا) على التبرعات الإلكترونية، وتسهل عمل المنصة.
ونحن في دولة الإحسان، فهناك الآلاف من الجمعيات الخيرية التي أصبحت تعمل ضمن ضوابط (المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي)، والذي أطلق حملة بعنوان: (القطاع الرابح) لأنسنة القطاع، وتحقيق رؤية المملكة في جودة الحياة، حيث تركز الحملة على: الثقافة، الصحة، التعليم، البيئة، الإسكان، والتنمية الاجتماعية وذلك لأهمية إسهام القطاع بنسبة ٥٪ من الناتج المحلي حسب رؤية ٢٠٣٠م.
ولأن الإنسانية لا متناهية في هذه الدولة المباركة، دعمت المشاريع الوقفية المجتمع بأيدي أبناء الوطن، الذين لا يتنازلون عن قيمهم حباً وانتماءً لهذه الدولة المباركة، فكان منها تدشين (مستشفى السلام الوقفي) بالمدينة المنورة، وهو الأول من نوعه في المملكة، والذي تأسس بدعم وقف الشفاء، وتبرعات أبناء الوطن ومنهم الشيخ الفاضل ملهي بن سلامة بن سعيد وإخوانه وآخرون من رجالات نذروا أنفسهم للإحسان في أطهر البقاع، وهي مدينة الرسول الكريم؛ فتبرع بمبلغ ٥٢ مليون ريال للمستشفى، ويقوم هذا المستشفى بالرعاية الصحية للأهالي ولزوار المدينة المنورة من الحجاج والمعتمرين، حيث كلف المشروع ٥٤١ مليون ريال من خلال ٥٨١ شراكة.
وفي أثناء التدشين، والذي كان برعاية سمو أمير منطقة المدينة المنورة سلمان بن سلطان، يُعلن عن إنشاء مستشفى وقفي مماثل في مكة المكرمة، ويعلن رجل الإحسان ملهي بن سلامة تبرعه لوقف مكة بمبلغ ٥٠ مليون ريال.
هؤلاء المحسنون هم نماذج لأبناء الوطن المخلصون بتضافرهم مع الدولة، وصدق سمو الأمير تركي الفيصل في رده على أحد الصحفيين، كيف ترى المملكة بعد 50 عاماً، فقال: (أعتقد أنها ستكون مركزاً لكل ما يخدم البشرية والإنسانية من جميع النواحي، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتنموية.. بإذن الله)، نعم (نحلم ونحقق)، وكل عام ووطننا الغالي هو مصدر إشعاع للإنسانية.


