Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

تسلط التاريخ

A A
"من أحب أن ينظر إلى المستقبل كتاباً مفتوحاً؛ فليحسن النظر إلى درس الماضي، ولكن التصديق بكل ما كتب المؤرخين هو شراً من عدم وجود تاريخ أصلاً".

حسناً تُنسب تلك العبارة الرائعة إلى الحكيم الصيني "كونفوشيوس" والحقيقة لو تأملنا فيها قليلاً لوجدنا أنها تحمل بُعداً فلسفياً عميقاً، بل أنني -وبلا مبالغة- اعتبرها قاعدة منهجية من قواعد فهم علم التاريخ الذي يَعُدُّ أعظم مُعلّم للبشرية؛ إذ من خلاله نتعرف على الماضي، ونفهم الحاضر، ونستشرف المستقبل، ومِمَّا يدلل على أهمية علم التاريخ، هو أن ثلث آيات القرآن الكريم عبارة عن قِصَص؛ ولا يعني هذا أن القرآن الكريم كتاب تاريخ؛ ولكنه يورد القِصَص، لأهداف عقدية، ولدوافع أخلاقية، ولمُسَوِّغات فكرية، ولأسباب حضارية، وكلها منفردة أو مجتمعة؛ لإفادة الدروس، واستخلاص العبر، ولمعرفة القوانين والنواميس الكونية، التي تمكًننا من معرفة سيرة الحضارات السابقة، وكيفية قيامها، وعوامل نهضتها وازدهارها، وأسباب سقوطها وزوالها، والتي عبّر عنها القرآن الكريم بمفردة السُنن كما في قوله تعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

ولكن -وآه من لكن تلك- ولكن مكمن الخطورة في قراءة التاريخ؛ هو التصديق بكل ما كتبه المؤرخين، والتسليم بكل ما جاء في رواياتهم! كما قال الحكيم الصيني، إذ يتَرَتَّبَ على تصديق تلك الروايات، وخصوصاً التي لم تثبت؛ عقائدٌ فاسدة، وتصوراتٌ خاطئة، ومفاهيم مغلوطة، مِمَّا حمل البعض -ولا أريد أن أقول الكثير- إلى عمل محاكمات وإصدار أحكام نهائية، واتخاذ مواقف عدائية وحادة؛ وذلك لمجرد أنك تتبني رأياً مخالفاً لروايته فقط! ولهذا السبب يجب أن نتوقف قليلاً، ونحاول مناقشة الموضوع بكل هدوء وحكمة، بعيداً عن التشنجات الدرامية والعاطفية التي يفتعلها البعض باسم التاريخ.

ويحسن بنا بداية لفهم إشكالية التاريخ وتداعياته الخطيرة، إلى تَأْصِيل القضية بشكل علمي وذلك بالعودة إلى التقسيم المنهجي ـ المتعارف عليه ـ لمحركات المعرفة الإنسانية ، حيث قُسّمت العلوم إلى قسمين كبيرين هما: العلوم الطبيعية والتي تشتمل على عدة تخصصات منها : علم الفلك ، والفيزياء ، والرياضيات ، والكيمياء ، وعلوم الأرض ، وعلم الأحياء ، والتي تعتمد في دراستها على الملاحظة والتجربة ، وعلى الأسلوب العلمي ، والقوانين والمعادلات والبراهين ؛ وذلك لتفسير الأنظمة والظواهر المادية المختلفة.

والقسم الثاني هو : العلوم الإنسانية المُتَضَمِّنَة عدة مجالات منها : العلوم الدينية ، والقانون، والسياسة ، والتاريخ ، وعلم النفس ، وعلم الاجتماع ، واللغويات ، والتي تعتمد مناهجها على دراسة السلوك البشري ؛ باستخدام الأساليب التحليلية المختلفة لإيجاد التفسير الموضوعي للممارسات البشرية المختلفة.

ومن هنا يُعرّف علم التاريخ : بأنه أحد العلوم الإنسانية التي تهتم بدراسة الماضي ، وتحديداً الماضي البشري ، أي أن موضوعه الأساسي هو الإنسان .

وعلم التاريخ يُقسّم إلى قسمين وهما : علم رواية وهو العلم الذي يهتم بتدوين الوقائع ، والأحداث ، والقصص ، وأخبار الأمم السابقة ، وهو ما جاء في الروايات التي أوردها الإخباريين ، والمؤرخين عبر العصور التاريخية المختلفة.

وعلم دراية : وهو العلم الذي يتجاوز مرحلة تدوين الأخبار والروايات ، إلى تحليلها ، وتفسيرها ، ومعرفة أسبابها المباشرة ، والتعمق في أسبابها غير المباشرة ، وهذا العلم الذي يقوم على التفكًر ، والنظر ، والتأمل في كنه الأحداث ، وعللها ، وأسبابها ومسبباتها ؛ لاستخراج قوانين ونظريات لفهم سير حركة التاريخ ، وهو ما يُعرف الآن بفلسفة التاريخ ، والتي تتجاوز عادة السؤال السطحي : ماذا حدث ؟ إلى السؤال العميق : لماذا حدث ما حدث ؟

ومن هنا ندرك بأن التاريخ بدون فلسفة لا يعدو عن كونه مجرد أخبار وأحداث متراصة لا قيمة لها . وتجدر الإشارة إلى أن أول من أسس علم الاجتماع ، ووضع أصول فلسفة التاريخ ، هو المؤرخ العبقري ابن خلدون ، حيث دوّن في" قلعة بني سلامة " أحد أعظم الكتب التي عرفتها الإنسانية ، والتي استغرقت كتابته أربع سنوات تقريباً ، وهو ما عُرف بمقدمة ابن خلدون ، وتبعه بعد ذلك كل فلاسفة التاريخ ، وعلم الاجتماع في الشرق والغرب .

ولعل السؤال الذي يثور في الأذهان الآن: ما دلالة ذلك التقسيم ؟ وما الشاهد في الموضوع ؟

الحقيقة أن دلالة ذلك التقسيم ، هي معرفة كيفية وآلية دراسة العلوم الطبيعية ، إذ أنها تقوم على تحليل وفهم الأحداث والظواهر الطبيعية التي تحدث حولنا باستمرار، والمتعلقة بالعالم المادي ، بحيث أن تلك المنهجية مبنية على وقائع ، وحقائق ، وتجارب أكّدتها البراهين ، والقوانين ، ونتائج التجارب العملية والمعملية ، مرة بعد مرة ؛ كغليان الماء وتجمده عند درجة معينة ، وبناءً على ذلك نستطيع اعتبار العلوم الطبيعية ، بأنها علوم حقيقية يقينية.

أما العلوم الإنسانية أو الاجتماعية ، فإن طبيعة دراستها ، تتمحور حول المجتمع الإنساني بشكل عام ، وترتكز مناهجها على العلاقات الاجتماعية البشرية ، ولذلك كانت ـ ولا تزال ـ علوم ظنية احتمالية ؛ أي أنها لا ترقى إلى مستوى الإدراك واليقين ، بمعنى آخر، لا تحمل فرضيات مؤكدة ذات إجابة واحدة ، فهي تمارس أسلوب التساؤل والاستجواب ، وتبنى تفسيراتها على خيارات كثيرة ، وتصورات عديدة ، كما تشير إلى ذلك الدراسات النفسية والاجتماعية المختلفة.

ولعل أفضل مثال يجلي لنا طبيعة مناهج العلوم الإنسانية ، هو ما أشار إليه الكاتب عبدالستار إبراهيم في كتابه الرائع "الإنسان وعلم النفس" عندما قال: "هناك نفس بشرية واحدة، وستة نظريات لتفسيرها" فتعدد النظريات والمدارس ، بدءًا من المدرسة البنائية ، ومروراً بالمدرسة الوظيفية ، ثم المدرسة السلوكية ، ومدرسة التحليل النفسي، وغيرها من المدارس ، يؤكد لنا بوضوح الرغبة الشديدة لمناهج العلوم الإنسانية ، لفهم دوافع السلوك الإنساني، ودراسة طبيعة الوقائع السيكولوجية المحيطة به ، وبالتالي تباين وتأرجح تلك المناهج مابين الصواب والخطأ ، والشك واليقين .

وبما أن علم التاريخ يعتبر الركن الرئيس في حقول الدراسات الاجتماعية ؛ لارتباطه بدوافع وسلوك الإنسان بشكل مباشر ، فعليه يجب أن نقرر هذه الحقيقة ؛ ألا وهي أن " التاريخ المُدوّن يعتبر علم ظني ، نسبي " أي أننا لا نستطيع نفي أو تأكيد كل ما ورد فيه من أخبار وروايات، إذ أن ما نتبناه اليوم من نصوص ، وروايات تاريخية ، والتي قد تشكّل الكثير من رؤانا ، وقناعاتنا ، ومواقفنا ، فإنه قد يتغير غداً ؛ حال ظهور شواهد ، ومعلومات جديدة ، أو مخطوطات جديدة ، الأمر الذي يجعلنا نقول بكل اطمئنان ، أنه لايوجد حقيقة نهائية في حقل العلوم الإنسانية ، وعلى رأسها علم التاريخ .

فإذا سلمنا بذلك ، نستطيع عندها الانطلاق للنقطة الأخرى فنقول : بأن روايات مؤرخينا الأوائل ـ مع كل الإجلال والتقدير لجهودهم العظيمة ـ ليست مقدسة ! بمعنى آخر، أن ليس كل ما كتبوه صحيحاً ! إذ نجد فيها ما هو مكذوب ، وما هو ضعيف ، وما هو خبر آحاد ، وفيها أحيانا ما لا يقبله العقل والمنطق . وذلك لعد اعتبارات لعل أهمها ، أن تاريخنا الإسلامي لم يدوّن بشكل رسمي ، إلاّ بعد منتصف القرن الثاني هجري ، وبالتحديد في العصر العباسي ، عندما طلب الخليفة أبا جعفر المنصور، من محمد ابن إسحاق (ت 151هـ) أن يؤلف لابنه وولي عهده- محمد المهدي- كتاباً منذ خلق الله آدم إلى وقته الذي هو فيه ، وإن كان ذلك الوقت لم يحدد بدقة ، فهو بالتأكيد بعد (سنة ١٣٦هـ) وهي السنة التي تولى فيها أبو جعفر المنصور الخلافة ، وهو ما حدث بالفعل فقد ألف محمد ابن إسحاق ، كتاب السير والمغازي، والذي هذًبه فيما بعد ، ابن هشام (ت 218هـ) في كتابه المعروف بسيرة ابن هشام ، كما تذكر الروايات التي أوردها ـ البغدادي وابن خلكان ـ وغيرهما من المؤرخين.

ومن هنا يتبين لنا أن من كتبوا تاريخنا الإسلامي ، لم يكونوا شهود عيان ! إنما نُقلت إليهم نصوصه ورواياته شفاهة ؛ لأنها كانت محفوظة في الصدور، الأمر الذي يجعل تلك النصوص والروايات الشفهية عرضة للزيادة والنقصان ، وللتحريف والتبديل ، وللخرافة والأساطير ؛ ومن هنا نستنتج أن عائق المسافة الزمنية ، بين الحدث ولحظة تدوينه ، يضع مصداقية الأحداث التاريخية موضع شك وارتياب ! كما قال بعض الباحثين.

وها هو إمام المفسرين ، وشيخ المؤرخين ، الإمام الجليل محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) صاحب كتاب "تاريخ الأمم والملوك" والذي اعتمد على مصنفه التاريخي ، كل المؤرخين من بعده ، يؤكد إشكالية المسافة الزمنية بين الحدث ولحظة تدوينه ، عندما صدّر في مقدمة كتابه تحذير براءة وإخلاء مسؤولية! عندما قال: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة ، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا."

ولعل المؤرخ الجليل الطبري ، كان يعمل بقاعدة أهل الحديث التي تقول :" إذا كتبت فقمِّش ، وإذا حدثت ففتِّش ." حيث كان يجمع الروايات كلها ، حسنها وشنيعها ، صحيحها ومعتلها ، واضحها وغريبها ! فقد أورد على سبيل المثال في حادثة مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ثمانية عشر رواية تقريباً ! لا يعرف ـ كما قال ـ أصحّ رواية فيها .

وبالمناسبة هذه الحادثة التي أراقت دماء المسلمين الأوائل ، وفتحت أبواباً من الشر ، منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا ! قد اختلفت روايات المؤرخين الأوائل فيها بل أننا نجد أحيانا روايات يناقض بعضها البعض.

إذن كان المؤرخ الطبري ، يسرد الأحداث بأسانيدها سرداً حسب ما بلغته ، ويترك مهمة فحصها وتدقيقها للقارئ ! وهذه الطريقة ، تؤكد ما ذهبنا إليه من أن التاريخ لا يوجد به كلمة نهائية .

وبالإضافة إلى هذا وذاك ، فإن من رووا تلك الأحداث والقصص وتناقلوها هم بشر! بمعنى أنه يسري عليهم ما يسري على بقية البشر من نزعات ضعف ، وخطأ ، ونسيان ، فضلاً عن العوامل الأخرى ، المتعلقة بالإيديولوجيات الفكرية والمذهبية ، والسياسية ، الأمر الذي يحيلنا إلى فكرة أخرى ، ألا وهي انتفاء الحيادية في التاريخ ! إذ لابد للمؤرخ من الميل والانحياز إلى طائفة معينة ، أو فلسفة فكرية محددة ، فالإنسان بطبيعته كائن متحيز ، والبراءة الأيدلوجية في حقل العلوم الإنسانية ، وعلى رأسها التاريخ مستحيلة ، كما قال المفكر جورج طرابيشي .

وما يقال عن المؤرخين ، ينطبق أيضا على الحدث التاريخي وشخصياته ، فإذا أردنا توخي الدقة والإنصاف، عند الحكم على الشخصيات التاريخية ، فإنه يتوجب علينا النظر إليها من خلال الدائرة البشرية التي تصيب وتخطيء ؛ وذلك بسبب ما يصطرع في أعماقها من دوافع خير، ونزعات شر، وبسبب ما تحمله أيضا دواخلها من قيم ومبادئ ، في مقابل ما يتنازعها من غرائز ورغبات ، فتقديراً لذلك الضعف البشري ؛ يجب أن نبتعد عن فكرة التصنيم ، والتقديس ، كما يجب أن نحذر في المقابل من الإساءة لتلك الشخصيات التاريخية ، بالتبخيس أو التدنيس .

ولكي نكون موضوعيين في التعامل مع "الحدث التاريخي" يتوجب علينا التفكير بمنطقية ووعي ، وذلك باستصحاب "مسطرة التفهم" لأحداث ووقائع التاريخ المختلفة ، وذلك بعدم نزع تلك الأحداث من سياقاتها الزمانية ، والمكانية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية.

حسناً ! وبعد تلك القراءة المتواضعة لإشكالية رواياتنا التاريخية ، لا أعتقد أنه يضيرنا الاعتراف ، بأننا نواجه أزمة فكرية وثقافية في غاية الخطورة ! مفادها بأن الكثير من رواياتنا وشخصياتنا التاريخية ، لا زالت تحاصر واقعنا ، وتتحكم فينا ، بل أنني لا أبالغ ، لو قلت أنها تهدد مستقبلنا ! إذ لا يوجد أمة يعيش حاضرها في ماضيها ، ويرتهن مستقبلها كالأمة الإسلامية ! فنحن لا زلنا نعيش أساري التاريخ ، بكل أحداثه ، وصراعاته ومذاهبه ، وطوائفه ، وإيديولوجياته ، الأمر الذي جعل الكثير من الباحثين يذهبون إلى القول ، بأن تاريخنا دائري وليس تقدمي ! فبدلاً من أن نستفيد من تجارب التاريخ ، ونتعلم من أخطائه ، وننطلق للمستقبل ، لا زلنا للأسف نجتر أحداث التاريخ اجتراراً ، ونقيم حروب داحس والغبراء حول الكثير من رواياته وأحداثه التي تجاوزها الزمن ، والتي لخص مأساتها وإشكاليتها ، الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ عندما قال : " تلك فتنة قد عصم الله منها سيوفنا ، فلماذا لا نعصم منها ألسنتنا ؟ "

وأخيراً ؛ يحسن بنا عند تقليب وقراءة صفحات التاريخ ، أن نحرر عقولنا ، وقلوبنا من الأيدلوجيات المختلفة ، ومن العواطف والأهواء ، ومن الملصقات الجاهزة ، والأحكام المسبقة ! فالتاريخ ـ أعيد وأكررـ ليس عقيدة ! إنما هو علم احتمالي ، ولهذا لا يليق بنا ، ونحن في القرن الحادي والعشرين ، أن نظل مُعْتَقَلين في قوالب نظريات وروايات " ظنية ونسبية " تتحكم في بوصلة مشاعرنا وعواطفنا ، وتوجه انفعالاتنا ومواقفنا إلى درجة التأليب ، والتحشيد ، والاصطفاف ، والتحزب ، وبناء صداقات ، واتخاذ عداوات ! فالتاريخ شيء والحقيقة شيء آخر مختلف تماماً.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store