أصيب عالم تقنية الفضاء خلال الشهر الماضي بخيبة أمل كبيرة بسبب طرمبة.. وتحديدا، تعثرت مهمة أحدث مركبة فضاء وهي من طراز «ستار لاينر» و تصميم شركة «بوينج» العريقة في مجال الطيران والفضاء.. كان تسرب غاز الهيليوم من الأسباب الرئيسة التي بدأت دراما الأعطال على الأرض.. تعطلت الطرمبة العاملة بنظام «دفدفة» غاز «الهيليوم» للوقود فتأخر إقلاع المركبة أكثر من مرة.. وانتقلت المشكلة بعد انطلاق المهمة من الأرض إلى الفضاء.. وتحديدا، على مرسى محطة الفضاء الدولية بتاريخ 5 يونيو 2024، حيث حملت المركبة ثنائيا من أفضل رواد الفضاء في العالم وهما «سوني» و»وبوتش». واستمرت منظومة الطرمبات في الأعطال لدرجة أن جدول الرحلة تغير بالكامل، فعادت المركبة فارغة إلى الأرض بتاريخ 7 سبتمبر، وبقي رائدا الفضاء على المحطة على أمل أن يعودا خلال شهر فبراير 2025.
كلمة «طرمبة» إيطالية ومعناها البوق، والكلمة الأكثر دقة هي كلمة «مضخة»، وهي من الاختراعات التي بدأت من عندنا.. أصولها تعود إلى التقنيات الزراعية الفرعونية على ضفاف النيل قبل أكثر من أربع آلاف سنة، واستمر التطوير لهذا الاختراع الجميل من منطقتنا عندما قام أحد نجوم الحضارة الإسلامية وهو العالم الفذ «بديع الزمان الجزري» بتقنين هندستها الجميلة.. وقد دون ذلك في كتابه الرائع «معرفة الحيل الهندسية» عام 1206م.
وأكيد أن الجزري لم يتخيل أن عالم المضخات سيصل إلى المرحلة المذهلة التي وصل إليها اليوم بالهيليوم وما شابهه.. فضلاً، تأمَّل في عدد المضخات التي استخدمتها اليوم: في دورة المياه أعزكم الله، ثم في المطبخ، ثم مجموعة المضخات في سيارتك، ثم في مكاتبنا.. وأما في عالم الطيران فحدث ولا حرج.. كنت مسافرا قبل فترة على متن طائرة بوينج 777.. وقدرت عدد المضخات العاملة في الطائرة خلال الرحلة فوجدت أنها تفوق الثلاثين.. من مضخات الوقود التي تنقل الوقود من الخزانات إلى المحركات، ومضخات أنظمة السائل الهيدروليكي الذي يحمل السوائل تحت مقدار ضغط يفوق عشرة أمثال ضغط الهواء بداخل إطارات سيارتي، ومضخات منظومة المكابح لعجلاتها الضخمة التي يبلغ عددها 14 عجلة، ومضخات الهواء بداخل مقصورة الركاب والقيادة، ومضخات أنظمة دورات المياه الرائعة، كلها تعمل بإرادة الله بفعالية، وهدوء، واعتمادية.
وأما في الفضاء فننتقل إلى تفاصيل عالم آخر، لأن المضخات تعمل في بيئة تنعدم فيها الجاذبية، ولذا، فمتطلبات الإبداع الهندسي تتطلب التفكير خارج الصندوق لتحريك السوائل من الخزانات إلى المحركات، وغيرها من التدفقات الضرورية للحركة والحياة على متن المركبة.. وبالرغم من التطورات المذهلة في عالم المضخات، فهناك ما يتفوق عليها لدرجة لا يمكن تخيلها.. تخيل المضخة الرئيسة بداخل كل منا.. قلوبنا تضخ حوالى خمسة ليترات من الدم في الدقيقة الواحدة بدون ملل أو كلل.. يعني بالنسبة لي شخصيا تم بلطف الله ضخ أكثر من مئتي مليون لتر من الدم بدون أي احتياجات صيانة منذ ولادتي بدون أي شكاوى ولله الحمد.. تلك الكمية تعادل محتوى ستة مليار علبة بيبسي.. وبلطف الله وفضله، حافظت مضختي على ضغط الدم في حدود مقبولة، بل ومريحة جدا بدون التأثير سلبا على أي من أوعيتي الدموية.
* أمنيـــــة:
تأمل في ضخ الدمار التي نشهده بألم يوميا في الحرب ضد أهالي غزة.. كيف ستخرج المنطقة من دائرة القسوة والكره في إطار هذه البيئة العنيفة التي تدمر البشر والعمران على مدار الساعة؟.. أتمنى أن يفكر العالم في وقف لغة القتل، والعنف، والدمار بما يليق بأقل المتطلبات الإنسانية والحضارية بمشيئة الله.


