Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

النابغة السعودي «الكشميري»

A A
‏تعتبر مكة المكرمة بوتقة اجتماعية منذ أقدم العصور، انصهرت فيها ثقافات متنوعة ومن بلاد شتى، فكان منهم صهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وبلال الحبشي وحضارات اجتماعية تماهت بالإسلام، وتوحدت القلوب من شتي أصقاع العالم؛ فقد أصبحت مكة قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، ومستقراً لشعوب من كافة أنحاء العالم الإسلامي، فضلاً عن وجود تنوع ثقافي بين أجزاء الجزيرة العربية بتأسيس الدولة السعودية من شرقها ووسطها لغربها، ومن شمالها لجنوبها.. هذا التنوع أعطى الوطن قوة تراكمية في نهضته التنموية، وخلال الـ ٩٤ عاماً من العمل الدؤوب في شتى ميادين العلم والمعرفة.

ولعليّ أتحدث اليوم عن العالم السعودي الأستاذ الدكتور أمين صالح كشميري؛ أستاذ علم وظائف الأعضاء بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (المتقاعد حالياً)، عضو لجنة اليونسكو الدولية للأخلاقيات الحيوية - سابقاً، ورئيس المجلس الأعلى للأخلاقيات الطبية الحيوية الإسلامية؛ والذي يدعم الفكر الإسلامي في قضايا عالمية.. بما يحقق المنفعة للبشرية، وهو الرئيس المؤسس لقسم الأخلاقيات الطبية بمستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، والرئيس المؤسس لقسم الأخلاقيات الطبية الحيوية بمركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية. ورئيس تحرير مجلة منتدى أكسفورد للبحوث.

‏الكشميري ولد وعاش وترعرع في ربوع مكة المكرمة.. رضع ماء زمزم، وطاف بالبيت، وقبَّل الكعبة وهو ابن أربعين يوماً، حيث كانت من تقاليد أهالي مكة الذهاب بالمولود حين تكمل أمه الأربعين، لتمريغ وجهه بالحجر الأسود، فتحل عليه بركات السماء والأرض.. تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي بمكة المكرمة؛ فغرست فيه قيم الإسلام وتعاليمه ‏وأخلاقه، وتمثل بها بنفس سمحة متسامحة إلا ما يخالف العقيدة والدين.. واكتسب قوة الشخصية من صلابة جبال مكة، والتواضع من واديها المقفر، فهو من تواضعه يأخذ رأي من يثق بهم - وأنا واحدة منهم- في مقالة علمية وفي عنوان دراسة أو شعار مؤتمر.. قدوته أبوه وأجداده الذين وجدت وثائق تثبت مشاركتهم في الشأن المكي منذ 283 عاماً.. وعلماء المسجد الحرام الذين لازم الصلاة خلفهم واستمع إليهم، فأخذ العلم من أصوله.. جمع بين ثقافات ولغات متنوعة، حيث درس الدبلوم في كلية الطب من جامعة برلين ١٩٦٥م، والبكالوريوس من جامعة الملك سعود، والدكتوراة من جامعة درهام في إنجلترا ١٩٧٨م.

هذه العبقرية والنبوغ جعلته يتقلَّد عدة مناصب ‏قيادية في الأخلاقيات الحيوية، ومنها مؤسس ومدير برنامج الماجستير للأخلاقيات الطبية، ورئيس اللجنة الاستشارية في مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية.. هذا فضلاً عن وصوله إلى رتبة أستاذ علم وظائف الأعضاء.

شارك في العديد من البحوث الطبية على المستوى العالمي، ومنها أنه قدم دراسة للمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي عن عمليات التجميل الطبية، ومنها تكميم المعدة وأثرها على صحة الإنسان، وقد صنف العمليات إلى نوع يهتم بالمظهر الجمالي فقط، وآخر لتصحيح التشوهات الخلقية أو المرضية. وقد حظي البحث بالكثير من الإحصائيات، والمخاطر من اتباع بعض الأنواع من العمليات على صحة الإنسان، وكانت من نتائج الدراسة توصيات من أهمها: تجنُّب الجراحات التجميلية ما لم يكن هناك ضرورة طبية، وأن على الأطباء أن يراقبوا الله في أداء مهنتهم، وأن يحذروا من مغبة الانجراف وراء مغريات هذا السوق.

ومنها أيضاً دراسة ما يُسمَّى الموت بمساعدة؛ وكان ردّه واضحاً وقوياً على عضو البرلمان في دائرة لِيسْتَرْشِير الجنوبية شرق ميدلاندز في المملكة المتحدة، بطرح وجهة النظر الإسلامية، واعتبار ذلك إضفاءً للشرعية على الانتحار بمساعدة طبية على الفئات الضعيفة، وأن ذلك يُظهر أولويات منحرفة مخالفة للقوانين الأخلاقية، بل أكد له ضرورة معارضة هذه التشريعات الخطيرة حتى لا تصبح قانوناً.

ومن أعظم ما يقوم به مجمع الفقه الإسلامي الدولي، دراسة المستجدات المعاصرة والاجتهاد فيها لمنفعة البشرية، ويشارك فيها عادة النابغة السعودي الكشميري، حيث يشارك حالياً في دراستين هما: دراسة (الإجهاض بسبب الاغتصاب)، ودراسة (تغيير الجنس)، وذلك حرصاً على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية من حيث الحفاظ على الدين والنفس، وتقديم توصيات ومقترحات لدول العالم عامة، والعالم الإسلامي خاصة، لمنع الضرر الذي يلحق بالبشرية جراء بعض المخالفات المتصلة بالتكسب غير المشروع بصرف النظر عن القيم الأخلاقية.

وبكل فخر، فهذا النابغة السعودي الكشميري أصبح أيقونة في الأخلاقيات الطبية على المستوى العالمي؛ فعمل كعضو للجنة الاستشارية ‏العلمية في الرابطة الأوروبية لمركز آداب مهنة الطب، وله إسهامات متنوعة منها أنه الرئيس المؤسس لبرنامج الأخلاقيات الطبية في أكاديمية أكسفورد للدراسات المتقدمة.. وهكذا هم أبناء الوطن، كلٌّ يعمل في مجاله بما يرفع السعودية عالمياً، وفي مجالات متنوعة.. وهذا بتوفيق الله أولاً ثم بدعم القيادة السعودية التي جعلت الإنسان من أولوياتها.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store