إسلام بحيري، أحدُ أعضاءِ مجلسِ أمناءِ مركزِ «تكوين» الفكرِ العربيِّ، تخرَّجَ فِي كليَّةِ الحقوقِ عامَ 1997، حصلَ علَى الماجستيرِ فِي طَرائقِ التَّعاملِ معَ التراثِ مِن جامعةِ «ويلز».
وصفَ بحيري كتبَ التُّراثِ الإسلاميِّ فِي برنامجِهِ «معَ إسلام» الذِِي كانَ يُذاعُ علَى قناةِ «القاهرة والنَّاس» بأنَّها «لعنةٌ، وأنَّها كُتبٌ معاديةٌ للعالمِ، وكُتبُ النِّفاياتِ البشريَّةِ، وأنَّها كلَّهَا مبنيةٌ علَى النِّفاقِ والكَذبِ والتَّدليسِ، وأنَّها المصدرُ الرئيسُ لكلِّ إرهابٍ وقتلٍ باسمِ الدِّينِ».
هذَا مَا جاءَ فِي تقريرِ مجمَّعِ البحوثِ الإسلاميَّةِ عَن برنامجِهِ، الذِي تمَّ توقيفُهُ ومحاكمةُ بحيري وسجنُهُ لمدَّة سنةٍ.. وذاتَ يومٍ سألَهُ المذيعُ «طوني خليفة» فِي برنامجِ «توتر عالي» المُذاعِ علَى قناةِ «المشهد»، الذِي أُذيعَ فِي 26 إبريل 2023م عمَّا إنْ كانَ قدْ تغيَّرَ مبدأُهُ الفكريُّ بعَدَ السِّجنِ، فكانَ جوابُهُ: «المبدأُ الفكريُّ هُوَ هُوَ مَا تغيَّر، أتغيرتْ مفرداتي الشديدة عشان النَّاس تقبل ما أقوله مشْ خوفا من المحاكم».
وعندمَا سألهُ: «لوْ لمْ تُولدْ مسلمًا، هلْ كنتَ سعيدًا أنْ تكونَ مسلمًا، أوْ ربَّمَا رُحتَ لخيارٍ آخرَ؟. فردَّ عليهِ قائلًا: «أنَا كان يهمِّني ساعتها -أعتقد ده هيبقى اختياري- أنْ أؤمن باللهِ مِن أيِّ دينٍ سماويٍّ، لأنَّ الأديانَ عندِي كلهَا متساويةٌ، ليسَ هناكَ أفضليَّة.
طوني: الإسلامُ دينُ اللهِ؟ أجابَ: دينُ اللهِ علَى العمومِ، فكلُّ الأديانِ عندَ اللهِ هِي الإسلامُ، القرآنُ وصفَ المسيحيِّينَ واليهودَ بمسلمِينَ، وكلُّ الأديانِ عندَ اللهِ الإسلامُ.
طوني: «أنتَ غيرُ متمسَّكٍ بدينِكَ»؟ أجابَ: «أنَا متمسِّكٌ بهِ؛ لأنَّي وُلدتُ فيهِ ووجدتُهُ جميلًا ومختصرًا ورائقًا إلَى اللهِ».
وأتوقَّفُ هُنَا عندَ قولِهِ: «أنْ أؤمنَ باللهِ مِن أيِّ دينٍ سماويٍّ؛ لأنَّ الأديانَ عندِي كلهَا متساويةٌ.. فالقرآنُ وصفَ المسيحيِّينَ واليهودَ بمسلمِينَ، وكلُّ الأديانِ عندَ اللهِ الإسلامُ»، وأردُّ عليهِ بهذهِ الآياتِ:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).. (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ).
أمَّا عَن قولِهِ عَن الإسلامِ: «قطعةٌ مِن اللؤلؤِ فِي بحرٍ مِن الطَّينِ»، ليوهمَ النَّاسَ أنَّهُ المصلحُ المنقذُ الذِي سيُخرج الإسلامَ مِن البحرِ الطِّينيِّ الغارقِ فيهِ بنبذِ كلِّ مَا هُو تراثٌ، فالتُّراثُ هُو بحرُ الطَّينِ -علَى حدِّ زعمِهِ-، وقدْ وصفَهُ قبلَ ثمانِي سنواتٍ بأنَّهُ «لعنةٌ، وأنَّ كتبَهُ معاديةٌ للعالمِ، وكتبُ النفايَاتِ البشريَّةِ، وأنَّها كلَّهَا مبنيةٌ علَى النَّفاقِ والكَذبِ والتَّدليسِ، وأنَّها المصدرُ الرئيسُ لكلِّ إرهابٍ وقتلٍ باسمِ الدِّينِ».
ولست أدري كيف أعطى بحيري لنفسه حق مصادرة تراث الأمة الإسلامية بأكمله، وبالتالي مصادرة تاريخها وهويتها وكيانها؟ إن كان بعض العلماء الأوائل قد أخطأ في فهم بعض النصوص القرآنية، لعدم تحررهم من أعراف وعادات وتقاليد مجتمعاتهم في جاهليتها، فلا يعني التعميم على الجميع، ومما يستدعي التوقف عنده أن عدداً من المستشرقين أشادوا بإنجازات العرب في مختلف العلوم، وهَا هِي بعضُ الشَّهاداتُ مِن مستشرِقِينَ غربيِّينَ:
«المعجزةُ التِي حقَّقهَا العربُ»، تحتَ هذَا العنوانِ كتبتِ المستشرقةُ الألمانيَّةُ (زيغريد هونكة) فِي كتابِهَا «شَمْس العربِ تسطعُ علَى الغربِ» تقولُ: «نحنُ الآنَ فِي سنةِ ألفٍ للميلادِ، لقدْ نشرَ ابنُ النَّديم تاجرُ الكتبِ في بغدادَ بالأمسِ القريبِ، فهرسًا للعلومِ يضمُّ فِي عشرةِ مجلَّداتِ أسماء جميعِ الكتبِ التِي صدرتْ باللغةِ العربيَّةِ فِي الفلسفةِ والفلكِ والرياضيَّاتِ والكيمياءِ والطبِّ حتَّى ذلكَ الحينِ.. وفِي الأندلسِ تجتذبُ قرطبةُ طلابَ العلمِ مِن كلِّ أنحاءِ الشَّرقِ، بلْ والغربِ أيضًا بمدارسِهَا العُليا ومكتباتِهَا العظيمةِ التِي جمعَ لهَا الخليفةُ الحكم الثَّانِي، وهُو مِن أشهرِ علماءِ عصرِهِ فِي مليونٍ مِن الكتبِ القيِّمةِ جمعَهَا لهُ عشراتٌ مِن رجالِهِ».
وفي القاهرةِ رتَّب مئاتُ العمَّالِ والفنيِّينَ فِي مكتبتَي الخليفةِ مليونَينِ ومائتَيْنِ مِن المجلداتِ، وهُو يعادلُ عشرِينَ ضعفًا لمَا حوتهُ مكتبةُ الإسكندريَّةِ الوحيدة فِي عصرِهَا.. إنَّه لمَن المعلومِ تمامًا أنَّه ليسَ ثمَّة أحدٌ فِي رومَا لهُ مِن المعرفةِ مَا يؤهِّلهُ لأنْ يعملَ جوابًا لتلكَ المكتبةِ، وأنَّى لنَا أنْ نعلِّمَ النَّاسَ ونحنُ فِي حاجةٍ لمَن يعلِّمنَا أنَّ فاقدَ الشيءِ لَا يُعطيهِ» هذَا مَا قالهُ متحسِّرًا مَن يعرفُ الحقيقةَ تمامَ المعرفةِ، أعنِي بهِ جربرت فون أو لياك الذِي ارتقَى كرسيَّ البابويَّةِ فِي رومَا عامَ 999 ميلاديَّة باسمِ البابَا سلفزوس الثَّاني.. فِي هذَا العامِ نفسِهِ نشرَ أبوالقاسم مبادئَ الجراحةِ، وشرحَ البيرونيِّ للفكرِ العالميِّ دورانَ الأرضِ حولَ الشمسِ، واكتشفَ الحسنُ بن الهيثم قوانينَ الرؤيةِ، وأجرَى التجاربَ بالمرايَا والعدساتِ المستديرةِ والإسطوانيَّةِ والمخروطيَّةِ، وبينمَا كانَ العالمُ العربيُّ يسرعُ فِي هذَا العامِ نحوَ قمَّةِ عصرِهِ الذهبيِّ وقفَ الغربُ مذهولًا. وتستمرُّ قائلةً: «إنَّ مَا حقَّقهُ العربُ لمْ تستطعْ أنَ تحقِّقهُ شعوبٌ كثيرةٌ أُخْرَى كانتْ تمتلكُ مِن مقوِّماتِ الحضارةِ مَا قدْ كانَ يؤهِّلهَا لهذَا».
هذَا إقرارٌ مِن المستشرقةِ الألمانيَّةِ «زيغريد هونكة» بتفوُّقِ الحضارةِ الإسلاميَّةِ علَى جميعِ الحضاراتِ الأُخْرَى.. وبعدَ هذَا الإقرارِ المُنصفِ تساءلتْ «هونكة» هذهِ التساؤلاتِ: مَا هِي المقوِّماتُ التِي احتاجَهَا هذَا الشعبُ ليبعثَ مثلَ هذَا البعثِ؟ ومَا هِي العواملُ التاريخيَّةُ والاجتماعيَّةُ والروحيَّةُ والفكريَّةُ التِي كانَ لابُدَّ لهَا أنْ تجتمعَ لتخلقَ هذهِ المعجزةَ التِي حقَّقهَا العربُ؟.
للحديثِ صِلَةٌ.
وقفات عند مقولة بحيري: «الإسلام قطعة من اللؤلؤ في بحر من الطين»!
تاريخ النشر: 16 أكتوبر 2024 23:03 KSA
A A


