- العقلُ البشريُّ لا ينشدُ الحقَّ والحقيقةَ بالضَّرورةِ، بلْ يميلُ بِطبيعتِهِ إلى تصديقِ ما يَشتهِي ويرغَبُ، والاقتناعِ بمَا تقتَضيهِ مَصلحتُه ويُفيدُه في مُنازعتِهِ ضدَّ الآخَرِينَ. إنَّ الحقَّ والحقيقةَ للإنسانِ، مُجرَّدُ وجهةِ نظرٍ شخصيَّةٍ، مُستنِدةٍ في مُعظمِ الأحيانِ على مَصلحتِهِ الشَّخصيَّةِ، أمَّا المَصلحةُ العامَّةُ لديهِ، فتأتِي عرَضًا!.
- لا يَقتربُ مِن الحقيقةِ إلَّا ذلكَ المُتشكِّكُ غيرُ المُطمئِنِّ بالضَّرورةِ لكلِّ مَا يُعرفُ ويُسمَع.. بلْ يبحثُ عن الإجاباتِ الـمُجرَّدةِ ذاتِ الطَّابَعِ الـمُحايِدِ مِن دونِ حُكمٍ مُسبَقٍ، وهو أمرٌ ليسَ باليسيرِ أبدًا. إنَّ الذي يستطيعُ الاقترابَ مِن الحقيقةِ، لا بُدَّ أنْ يكونَ لهُ قلبٌ كبيرٌ ونفسٌ توَّاقةٌ، وروحٌ نقيَّةٌ. إنَّنا لا نأخذُ الحقيقةَ ولا نعرِفُ الحِكمةَ مِن أفواهِ النَّاسِ أو وعظِهِم وتَجارِبِهِم بالضَّرورةِ، إنَّما نُبصرِهُمَا بِقلوبِنَا.
- أنقلُ لعالِمِ النَّفسِ (إريك فروم) هذَا الاقتباسَ (بتصرُّفٍ): «ويُعتَقدُ في الفِكرِ الإنسانيِّ وفِي التَّحليلِ النَّفسيِّ علَى السَّواءِ، أنَّ قُدرةَ الإنسانِ علَى البحثِ عنِ الحقيقةِ، ترتبطُ وتتَلازمُ مع بُلوغِ الحُريَّةِ والاستقلالِ».. وفي الإنجيلِ: «الحقيقةُ ستجعلُكُمْ أحرارًا».
- الحقيقةُ ليسَتْ دومًا واضحةَ المَعالِمِ.. ستكونُ محظوظًا للغايةِ إذَا تعلَّمْتَ كيفَ وأينَ تبحثُ عنهَا.. ثمَّ تقدَّمْتَ باتجاهِها خُطواتٍ قليلةٍ، لكنْ ثابتةٍ. ولَا داعيَ للتشنُّجِ والتَّعصُّبِ.. كلُّ شيءٍ قابلٌ للشكِّ، وليسَ هناكَ طريقةٌ أكيدةٌ لاكتشافِ الحقيقةِ المُجرَّدةِ.. وهُنا يبرُزُ جمالُ الفلسفَةِ وأهميَّةُ التَّفلسُفِ.
- تظهَرُ بعضُ الأمورِ والأحداثِ مُضطربَةً وفوضويَّةً، بِدونِ معنَى أو بِمعنَى قدْ يُخالِفُ المنطِقَ.. ذلكَ لأنَّ البشرَ ينظرُونَ إليْها دومًا بِنظرةٍ قاصِرَةٍ، وعِلمٍ مَنقوصٍ، وفَهمٍ غيرِ مُحيطٍ، لكنَّ الحِكمةَ ترَى أنَّ جميعَ الأمورِ والأحداثِ بتفاصِيلِها، تسيرُ بِعنايةِ اللهِ وعِلمِهِ المُسبَق وقدَرهِ النَّافذِ، وبِقوانينِهِ الكونيَّةِ والاجتماعيَّةِ الثَّابتةِ.
- عندمَا تستَمِعُ وتتأمَّلُ وتتدبَّرُ بِعقلٍ مُنفتِحٍ مُتواضعٍ ومجرَّدٍ نِسبيًّا مِن كثيرٍ مِن المُسلَّماتِ والموْروثاتِ، وما سبَقَ واحتلَّهُ منذُ الصِّغَرِ، قدْ تصلُ إلَى استِنتاجاتٍ مُفزِعَةٍ.. لكنَّكَ بِهذَا تكونُ قدْ اقتربْتَ كثيرًا مِن الحقيقةِ، والحقيقةُ ليستْ دوْمًا مُمتعةً!. يقولُ (نيتشِه): «تُقاسُ قوَّةُ العقلِ، بِمدَى قُدرتِهِ علَى تحمُّلِ الحقيقةِ التي لا تُناسِبُ قَناعاتِهِ»، وهو يصفُ كيفَ عاشَ مُربِّيهِ (شُوبِنهاور) حياةً فلسفيَّةً عظيمَةً، بِأنَّهُ عانَىَ مِن أجلِهَا أمريْنِ اثنيْنِ، وشَرطيْنِ لازِميْنِ هُمَا: العُزلةُ.. واليأسُ مِن الحَقيقةِ.


