حقَّقتِ العاصمةُ السعوديَّةُ «الرِّياض» إنجازًا لافتًا جديدًا بعدَ تتويجِهَا بلقبِ «عاصمةِ البيئةِ العربيَّةِ» للعامَينِ المقبلَينِ، وذلكَ خلالَ فعاليَّاتِ الدَّورةِ الـ35 لمجلسِ الوزراءِ العربِ المسؤولِينَ عَن شؤونِ البيئةِ، التِي ترأَّستهَا المملكةُ، واختُتمتْ أعمالهَا خلالَ الأيَّام الماضيةِ فِي مدينةِ جدَّة. ويجيءُ هذَا الاختيارُ؛ تقديرًا للجهودِ الرائدةِ التِي تبذلهَا المملكةُ في مجالِ الحفاظِ علَى البيئةِ وتعزيزِ الاستدامةِ.
كمَا شهدتِ الفعاليَّةُ التِي نظَّمتهَا وزارةُ البيئةِ والمياهِ والزراعةِ، بالتَّعاونِ معَ جامعةِ الدُّولِ العربيَّةِ، بحضورِ العديدِ مِن الوزراءِ العربِ، وممثَّلِي المنظَّماتِ الإقليميَّةِ والدوليَّةِ، حصولَ مبادرةِ «السعوديَّةِ الخضراءِ» عَلَى جائزةِ المشروعِ البيئيِّ المتميِّزِ علَى مستوَى القطاعِ الحكوميِّ العربيِّ؛ ممَّا يؤكِّدُ جديَّةَ المساعِي السعوديَّةِ، وتبنِّيهَا لرؤَى إستراتيجيَّةٍ ومشروعاتٍ بيئيَّةٍ مبتكرةٍ ومُستدَامةٍ.
ومِن أكبرِ المكاسبِ التِي تترتَّبُ علَى فوزِ الرِّياضِ بهذَا اللقبِ، أنَّهَا ستشهدُ إقامةَ العديدِ مِن الفعاليَّاتِ التِي تهدفُ لتعزيزِ الوعيِ البيئيِّ، ودعمِ الاستدامةِ، وتنظيمِ حملاتٍ ومشروعاتٍ متخصِّصةٍ؛ لتحسينِ جودةِ الحياةِ؛ ممَّا يدعمُ مستهدَفاتِ رؤيةِ المملكةِ 2030 التِي تدعُو فِي معظمِ محاورِهَا الثَّلاثةِ إلَى تعزيزِ مكانةِ السعوديَّةِ بصفتِهَا مركزًا عالميًّا للعملِ البيئيِّ والتَّنميةِ المُستدامةِ.
ويُعدُّ فوزُ العاصمةِ السُّعوديَّةِ بهذَا اللقبِ بمثابةِ تتويجٍ واعترافٍ عالميٍّ للجهودِ الحثيثةِ التِي تبذلهَا القيادةُ الرشيدةُ؛ التِي سبقتِ الآخرِينَ فِي إدراكِ حقيقةِ المخاطرِ التِي تحيطُ بمستقبلِ الحياةِ البشريَّةِ؛ نتيجةً لظاهرةِ التصحُّرِ وتراجعِ المساحاتِ الخضراءِ؛ بسببِ التجاوزاتِ العديدةِ التِي وقعتْ فِي معظمِ دولِ العالمِ، خلالَ الفترةِ الماضيةِ؛ نتيجةً للتمدُّدِ العمرانيِّ علَى حسابِ الرقعةِ الزراعيَّةِ، وتهوُّرِ بعضِ المجتمعاتِ التِي أزالتِ الغاباتِ ومناطقِ الغطاءِ النباتيِّ؛ لإيجادِ مساحاتٍ إضافيَّةٍ تستوعبُ الزيادةَ السكَّانيَّةَ.
ويجسِّدُ هذَا التصرُّفُ غيرُ المسؤولِ أبشعَ الصورِ لأنانيَّةِ إنسانِ العصرِ الحديثِ، وقِصرِ نظرهِ، وعدمِ تقديرِهِ رؤيتَهُ الصائبةَ لمستقبلِ الحياةِ علَى هذَا الكوكبِ الذِي استخلفَنَا اللهُ تعَالَى فيهِ، وأمرنَا بإعمارِهِ، وأمدَّنَا فيهِ بكلِّ مقوِّماتِ الحياةِ والبقاءِ.
ولا يخفى علينا جميعاً أن تزايد معدلات التلوث الهوائي هو السبب في انتشار كثير من الأمراض، التي تسببت في تناقص عمر الإنسان؛ مما يستلزم إنفاق مئات المليارات من الدولارات سنوياً علَى العلاج، وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلَى قرع ناقوس الخطر، حيث أعلنت أن 5 ملايين طفل يموتونَ سنوياً؛ بسبب أمراض لها علاقة بالتلوث البيئي، وأن ثلث الأمراض في العالم سببها عوامل بيئية.
ومنذُ إقرارِ رؤيةِ 2030 تضاعفَ الاهتمامُ السعوديُّ بمبدأِ الاستدامةِ، وتزايدتِ العنايةُ بمكوِّناتِ البيئةِ وعناصرِهَا الخمسةِ: النباتِ والحيوانِ، والماءِ، والهواءِ، والتربةِ، حيثُ ركَّزتْ كلُّ الخططِ علَى تحقيقِ التنميةِ الاقتصاديَّةِ والنموِّ بوسائلَ آمنةٍ ومُستدامةٍ وغيرِ مكلِّفةٍ. وتمَّ الإعلانُ فِي 21 يناير 2016 عن تنفيذِ مبادرةِ برنامجِ الملكِ سلمانَ للتوعيةِ البيئيَّةِ والتنميةِ المُستدامةِ، وتمَّ إنشاءُ محميَّاتٍ طبيعيَّةٍ تتمتَّعُ بأعلَى درجاتِ الحمايةِ، وذلكَ للحفاظِ علَى الحياةِ الفطريَّةِ وإنمائِهَا، إضافةً إلَى رفعِ نسبةِ المناطقِ المحميَّةِ إلَى أكثر مِن 30% مِن مساحةِ البلادِ.
ويبدِي وليُّ العهدِ رئيسُ مجلسِ الوزراءِ الأميرُ محمد بن سلمان -حفظَهُ اللهُ- أكبرَ الحرصِ علَى حمايةِ البيئةِ، ومنعِ التجاوزاتِ والانتهاكاتِ بحقِّهَا، وهُو مَا أكَّدهُ فِي مقولتِهِ الشَّهيرةِ عندمَا قالَ: «نرفضُ الاختيارَ المضلِّلَ بينَ الحفاظِ علَى الاقتصادِ، أوْ حمايةِ البيئةِ، ونؤمنُ أنَّ العملَ لمكافحةِ التغيُّرِ المناخيِّ يعزِّزُ القدرةَ التنافسيَّةَ، ويطلقُ شرارةَ الابتكارِ، ويخلقُ الملايِينَ مِن الوظائفِ، ويطالبُ اليومَ الجيلَ الصاعدَ فِي المملكةِ وفِي العالمِ، بمستقبلٍ أنظفَ وأكثرَ استدامةً، ونحنُ مدينُونَ لهُم بتقديمِ ذلكَ»..
وهِي كلماتٌ سجَّلهَا التَّاريخُ بأحرفٍ مِن نورٍ.
ولم ينبع هذا الاهتمام السعودي بحماية البيئة من فراغ، فهو في الأساس يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، كما أنَّ المادة (32) من نظام الحكم تؤكد مسؤولية الدولة عن المحافظة على البيئة والعناية بها وحمايتها وتطويرها ومنع التلوث.
لذلكَ، فإنَّ الحرصَ السعوديَّ علَى حمايةِ البيئةِ يحملُ أبعادًا كثيرةً، وهذَا الوعيُ المتقدِّمُ سوفَ تجنِي الأجيالُ المقبلةُ ثمارَهُ؛ لتنعمَ بوطنٍ معافَى وسليمٍ وصالحٍ للعيشِ فيهِ، بعيدًا عَن الأمراضِ واستنزافِ المواردِ، لتؤكِّدَ المملكةُ مِن جديدٍ أنَّها دولةٌ رائدةٌ علَى كافَّةِ الأصعدةِ.


