Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. عبدالله السالم

خطورة المتعاطف المظلم!

A A
هناكَ العديدُ من الشخصيَّاتِ الخطيرةِ فِي علمِ النَّفسِ، ومِن أشدِّهَا المتعاطفُ المظلمُ «ثالوثُ الظلامِ» The dark triad، وهذَا النوعُ لا يقلُّ خطورةً عَن القاتلِ المتسلسلِ، وبداخلهِ ثلاثُ شخصيَّاتٍ سامَّة هِي: النرجسيَّةُ، والمكيافيليَّةُ، والسيكوباتيَّةُ «الاعتلالُ النَّفسيُّ». ومَن يمتلكُ تلكَ السِّماتِ تتولَّدْ لديهِ صفاتٌ حاقدةٌ وحاسدةٌ لمَن هُو أفضلُ منهُ ويتسبَّبُ فِي خلقِ مشكلاتٍ كبيرةٍ فِي البيئةِ المحيطةِ، ولديه القابليَّةُ لارتكابِ الجرائمِ المختلفةِ؛ لتحقيقِ أهدافِهِ المريضةِ، وهُو يجيدُ فنونَ الخِداعِ، وإظهارِ التعاطفِ معَ الضحيَّةِ؛ لِكَي يثقَ بهِ ويستغلهُ، وهذَا التعاطفُ الكاذبُ له دوافعُ أُخْرى ستظهرُ لاحقًا عندَ إيقاعِ ضحيَّتِهِ فِي شباكهِ ولدغِهَا بِسُمِّهِ المؤذِي.

فالنرجسيَّةُ تكسبُ هذهِ الشخصيَّةَ الأنانيَّةَ المفرطةَ وتجعلهُ يحسُّ بأوهامِ العظمةِ الكاذبةِ، ويحسُّ بأنَّه افضلُ من الآخرِينَ ويتظاهرُ بالكبرياءِ رغمَ كثرةِ عُقدِ النقصِ بداخلهِ، والمكيافيليَّةُ تجعلهُ انتهازيًّا ويتلاعبُ بالآخرِينَ لِكَي يحققَ أهدافهُ الشخصيَّةَ فالغايةُ عندهُ تبررُ الوسيلةَ، وهُو شخصٌ عذبُ الكلامِ ويتقنُ الكذبَ ولا يفِي بوعودهِ رغمَ إظهارِهِ الشهامةَ والمروءةَ فِي أحاديثهِ وقصصهِ المختلقةِ، ويستخدمُ الدِّينَ والأخلاقَ كأقنعةٍ يخفِي وراءهَا وجههَ الحقيقيَّ الشريرَ، والسيكوباتيَّةُ تعنِي أنَّه معتلٌ نفسيًّا ويصعبُ التنبؤُ بتصرفاتِهِ وينعدمُ لديهِ الضميرُ والشعورُ بالندمِ عندَ إيذاءِ الغيرِ.

المتعاطفُ المظلمُ بتركيبتِهِ السابقةِ يجيدُ تمثيلَ دورِ «إنسانٍ عاقلٍ» ولديهِ القدرةُ علَى قراءةِ مشاعرِ الآخرِينَ واستغلالهَا لصالحِهِ واستخدامِ ذكائِهِ فِي الخداعِ بطرقٍ كثيرةٍ، وهُو يتلذَّذُ بإلحاقِ الأَذَى بالمحيطِينَ بِهِ؛ لأنَّ ذلكَ يشعرهُ بأنَّه قويٌّ فِي عينِ نفسِهِ. وعندمَا يتأمَّلُ الإنسانُ تصرفاتِهِ لمدَّةٍ كافيةٍ ويبدأُ في تجميعِ أقوالِهِ وأفعالِهِ وتحليلِهَا يدركُ بأنَّه أمامَ شيطانٍ فِي صورةِ إنسانٍ. ولوْ تحرَّينَا عَن ماضيهِ لدَى مَن يعرفُونَهُ سنجدهُ بأنَّه عاشَ طفولةً قاسيةً ومحرومةً من الحنانِ والاستقرارِ النفسيِّ الذِي عاشَ فيهِ الإنسانُ السويُّ، وحياتهُ مليئةٌ بتجاربِ الفشلِ، وهُو ناقمٌ علَى الأفرادِ الأفضلِ منهُ، وهذَا الاعتلالُ النفسيُّ المتراكمُ في شخصيَّتهِ يجعلهُ ناقمًا أيضًا علَى المجتمعِ بأكملهِ فيوسِّعُ دائرةَ الانتقامِ والعدائيَّةِ لديهِ Antisocial Personality Disorder، وهُو لَا يحترمُ مؤسساتِ المجتمعِ بكلِ أشكالِهَا؛ لأنَّه يعتبرهَا سببًا فِي فشلِهِ وعدمِ تحقيقِ طموحاتِهِ وينتقمُ منهَا بالتحايلِ عليهَا وانتهاكِ قوانينِهَا وتعليماتِهَا كلَّمَا وجدَ لذلكَ سبيلًا.

وتستمرُّ الأبحاثُ فِي الدولِ المتقدِّمةِ حولَ اكتشافِ المزيدِ بخصوصِ «المتعاطفِ المظلمِ» فِي مجالِ علمِ النَّفسِ بوجهٍ عامٍّ، وبالذَّاتِ فِي علمِ النَّفسِ التطبيقيِّ وكذلكَ فِي مجالاتِ إنفاذِ القانونِ والتحقيقِ الجنائيِّ، لكنَّ الأبحاثَ فِي الجامعاتِ والمراكزِ الأمنيَّةِ العربيَّةِ -تكادُ تكونُ نادرةً علَى حدِّ علمِي- وهذَا مَا يجعلُ مؤسَّساتِ التحقيقِ وانفاذِ العدالةِ لَا تتمكَّنُ مِن تشخيصِ ومعرفةِ المتعاطفِ المظلمِ والتعاملِ معهُ بطريقةٍ تتناسبُ معَ وسائلَ خداعِهِ الماكرةِ وجرائمِهِ المؤذيةِ التِي تدمِّرُ ضحايَاهُ وتشغلُ مؤسَّساتِ المجتمعِ وتؤثِّرُ علَى نسيجهِ الاجتماعيِّ وأمنهِ والعيشِ فيهِ بأمنٍ ومحبَّةٍ وسلامٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store