قديمك نديمك.. هو من أجمل الأمثلة التاريخية المنتشرة حول ثقافات العالم المختلفة بطريقة أو أخرى.. ويتجسد المثل عندما نتأمل في العناصر المستخدمة في أجهزتنا الحديثة اليوم ومنها هواتفنا المحمولة.. نجد فيها بعض من أغرب الأسماء الجديدة مثل «الجادولينويم» لتحسين الصوت، و»الانديوم» لتثبيت الألوان، و»التنتالم» و»النيوبوم» لكفاءة الطاقة، وهلم جراً.. ولكن بداخل جميع الهواتف المحمولة ستجد أيضاً النحاس. هذا العنصر التاريخي العتيق يستحق وقفات تأمل: أولا يتميز بجماله.. فضلاً، لاحظ أن معظم العناصر الطبيعية صلبة، وكلها تتميز بألوانها الفضية أو الرمادية ماعدا الذهب والنحاس، وكلاهما يتميز باللون الأحمر والبني اللامع الجميل.. والنحاس يتحد مع بعض العناصر الأخرى مثل الأوكسجين ليمتعنا أيضاً باللون الأخضر المذهل الذي يمنحه ميزة في الاستخدامات المعمارية ليُزين القباب وأعلى المباني المختلفة.. ويستخدم أيضاً في الفنون الجميلة، لأنه ينتج بعض من أجمل الألوان الزرقاء المبهرة.. يعني تخيل اللون الأصفر البراق، والأخضر المعتق، والأزرق المبهر كلها من النحاس.. ولكن جماله ليس فقط في شكله، فهو ثاني أفضل ناقل للطاقة الكهربائية بعد الفضة، ويتفوق في أسعاره وتوفره بكثرة، ولذا فهو الاختيار الأول عالميا في صناعة الأسلاك الكهربائية، بل إنه من أساسيات التصنيع في قطاع الكهرباء بأكمله سواء كان للاستخدامات التقليدية، أو لاستخدامات الطاقة المتجددة بأشكالها المختلفة.. وهناك المزيد.. في عالم الأحياء نجد أن بعض الكائنات تعتمد عليه بعد الله للحصول على الأكسجين ومنها القشريات مثل السلطعون الشهير باسم «أبي مقص»، والذي يتميز بدمه الأزرق بسبب اعتماده على النحاس مقارنة بدمائنا الحمراء التي تستخدم عنصر الحديد.. وفي عالم الأحياء أيضاً نجد أحد روائع النحاس في كونه من المضادات الحيوية الطبيعية.. يقتل الجراثيم بطرق عجيبة تجعله الخيار المفضل لمقابض أبواب المنشآت الطبية، والعديد من الأسطح فيها شاملة أسرة المرضى في المستشفيات، ومجاري وقنوات الهواء المختلفة.. ومن روائع النحاس أيضاً أنه أساس مكونات «التفاريق».. الريالان، والريال، والخمسين هللة، وباقي العملات المعدنية في الوطن وحول العالم؛ تحتوى على نسبة من النحاس بخلطاته المختلفة نظراً لخصائصه المتميزة.. وتشمل القوة، والتكلفة، وسهولة التصنيع، ومقاومة الجراثيم.. وعلى هذه السيرة فجدير بالذكر أن «العصر البرونزي» بأكمله؛ والذي يعكس فترة تاريخية مدتها حوالي ألفي عام تميزت باستخدام خلطات النحاس كإحدى ركائز تلك الحقبة الحضارية المهمة التي بدأت منذ خمسة آلاف سنة تقريباً.
هناك المزيد من روائع هذه النعمة التاريخية الرائعة، ومنها امتصاصه للحرارة، ولذا فتجده بكثرة في أدوات الطبخ عبر التاريخ.. وتجده أيضاً بداخل الأجهزة الإلكترونية كأحد مكونات التبريد.. ولكن فوق كل هذه الخصائص، نجد أن المرة الوحيدة التي ذكر فيها النحاس في القرآن الكريم جاء بمعجزة مذهلة.. حسب دراسة د. محمود كحيل، فقد جاء ذكر عنصر النحاس في سورة الرحمن في الآية الخامسة والثلاثين، وجاء ترتيب كلمة نحاس في الموقع؛ التاسعة والعشرين في الآية الكريمة.. والمعجزة هنا أن الرقم الذري الذي يحدد خصائص النحاس كيمائيا هو 29.. أتمنى أن تضيف هذه المعلومات إلى جمال هذا العنصر الإعجازي الرائع.
* أمنيـــــة:
إحدى الاستخدامات المهمة للنحاس عبر التاريخ بخلطاته المختلفة هي في تغليف القنابل والرصاص.. تأمَّل كمية النحاس التي نجدها اليوم على أراضي غزة الصامدة بعد مرور أكثر من سنة على حرب إبادة المدنيين.. أتمنى أن تنتهي هذه الكارثة الإنسانية المخزية، وأن يرحم الله عز وجل ضحاياهم، وأن يرفع عنهم البلاء والظلم، وهو من وراء القصد.


