Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

مقوِّمات.. لاستقرار الشركات العائلية

A A
‏تضجُّ المحاكم الإداريَّة سنويًّا بالآلاف من القضايا التي تنشأ من المشكلات الاجتماعيَّة والماليَّة.. بعضها حقيقيَّة، وبعضها الآخر -للأسف- كيديَّة!. ولن أتحدَّث عن المشكلات العمَّاليَّة، والأجور، والموظَّفين؛ ولكن سأتحدَّث عن المشكلات في الشركات العائليَّة، التي -للأسف- بلغ بها السَّيل الزُّبَى، فالمشكلات ليست فقط بين الشركاء من الأصدقاء، بل بين الأقرباء، وبعض الأخوة والأخوات، وبعض الآباء وأبنائهم، ‏وبدلًا من التَّركيز على معالجة الأخطاء، وإصلاح أو حلِّ المشكلة، وبالتَّالي نمو الشركة وازدهارها.. يتم الدخول في صراعات قد تبلغ عشرات القضايا، وتتسبَّب في ضياع الكثير من الوقت والجهد والصحة والمال.. ومع أنَّ الله -سبحانه وتعالى- يقول: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)؛ إلَّا أنَّ البعض تطغى عليه زينة المال على زينة الأبناء، ويدخل في صراعات معهم؛ لشعوره بالنفوذ والسُّلطة والقوَّة، وقهر الآخرين، حتَّى ولو كانوا أبناءه، مع أنَّ الحقيقة أنَّ (زينة الأبناء) هِي مصيره الأُخرويُّ، فولدٌ صالحٌ يدعُو لهُ، خيرٌ لهُ إذَا انقطعَ عمَلُه مِن الدُّنيَا.

‏والمعلوم أنَّ التجارة -عادةً- ربحٌ أو خسارةٌ، سواء من عوامل خارجيَّة عالميَّة تعصف بالمنشأة، مثل اجتياح جائحة كورونا.. والتدهور الاقتصادي العالمي وتداعياتها على الشركات والأعمال.. وهذا شيء طبيعي يحدث، وهو ابتلاء من الله -سبحانه تعالى-، فكما قال عزَّ وجلَّ: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).. أو من عوامل داخليَّة مثل سوء الإدارة، والتي -عادةً- لا تُعلَّق على طرف واحد فقط، وهو المدير التنفيذي، ولكن على رئيس مجلس الإدارة، والأعضاء، كونهم شركاء في اتِّخاذ القرارات المصيريَّة للشركة، بالإضافة إلى اللجان الإداريَّة وأهمها (لجنة المراقبة والمتابعة)، والتي تختصُّ بالنظر في القوائم الماليَّة للشركة والتقارير، والملحوظات التي يقدِّمها مُراجع الحسابات وهي: الرقابة الداخليَّة للشركة، وأسباب أُخْرى مثل تدنِّي الإيرادات، أو ارتفاع المصروفات. بل وجود لجنة خاصَّة تُسمَّى (‏لجنة إدارة المخاطر)، وهي تختص بدراسة المشروعات، وفي حالة وجود أيِّ خطر يتم تقييمه مبكِّرًا أثناء الخطة التَّشغيليَّة، وكيفيَّة الحل للمشكلة، ولا ينتظر حتى وقوع الخطر.

كما يجب عدم التسرُّع في إنهاء أيِّ مشروع لوجود مشكلات عائليَّة، وإعلان الإفلاس قبل الوقت المحدَّد؛‏ بل إعطاء الوقت الكافي حسب الخطَّة.. لأنَّ العام الأوَّل حتمًا هو فترة تأسيس، وكلُّها مصروفات تأسيسيَّة، وينتظر بعد ذلك الإيرادات المتوقَّعة.

‏وعادةً ما تكون هناك فجوة بين الأجيال في إدارة الشركات، فالجيلُ الأوَّل يدير الشركة حسب الأنظمة المتَّبعة سابقًا، ويميل للسيطرة والتفرُّد بالرَّأي، بينما الجيل الثاني أو الثالث يكون لديهم الرَّغبة في التطوير، وحسب حوكمة الشَّركات الجديدة التي أخذت تنتهجها وزارة التِّجارة، وفرض الكثير من الغرامات في حال مخالفة الأنظمة.

والحقيقة التي لا غبارَ عليها، هي أنَّ المشكلات العائليَّة لها تداعيات على أعمال الشركات، ووجود مصدر للخلافات الأُسريَّة ينعكس على العمل، وبالعكس؛ وربَّما وجود مَن يصبُّ الزَّيتَ علَى النَّارِ لمصالحَ خاصَّة من طرف على حساب الأطراف الأُخْرى، ويؤجِّج المشكلات، وهدفه حرمان الآخرين من أبسط حقوقهم.

و‏‏نأتي لنقطةٍ أُخْرى لا تقلُّ أهميَّةً، وهي دور المحامي الإنسانيِّ في معالجة المشكلة، فالمحاماة مهنةٌ عريقةٌ لابُدَّ أنْ يتَّصف من يقوم بها؛ بالنَّزاهةِ والأمانةِ والعدلِ.. وهي من أصعب المهن؛ لأنَّ ميزان العدالة لا يستطيع تحقيقه، إلَّا من كان مُعَدًّا إعدادًا مهنيًّا، وروحيًّا، وأخلاقيًّا، ونفسيًّا.. وأنْ تكون دفاعاته ليست فقط بأدلَّة وإثباتات ربما يضخِّمها لتكون دليلًا على الضَّعيف أو المهزوم.. وأنْ يتقي الله في حقِّ ذوي القربى، فبدلًا من تفكيك الأسرة، وإطالة أمد المرافعات للتكسُّب المالي؛ لابُدَّ من مخافة الله، حتَّى لا يأتي يوم يفرِّق الله شمله بينه وبين أُسرته.. بل أنْ يقوم بميزان العدل، واللجوء للصلح ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ فالحياة دَينٌ ووفاءٌ، ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهْ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهْ.

أعتقد أن الفجوة الأساسية هي التواصل غير الفعال بين الأطراف، أو بين الشركاء في العائلة، والذي يفترض أن يكون هناك حوار وتخصيص وقت كافٍ للاستماع لكافة الأطراف، وليس لطرفٍ واحدٍ مهيمن!، ووجهة نظرهم وحل المشكلات أولا بأول، وهذا لا يمنع وجود مستشار مالي عادل ومنصف في حال وجود تحديات كبيرة لأخذ نصائحه، والتركيز على المصالح والمشتركات الأساسية ‏في العائلة؛ وليس على الخلافات.

بل أهم ما يجب اتِّباعه هو وجود روح التَّسامح والعفو والصَّفح في حالة وجود أيِّ خطأ من أيِّ طرف.. واحتساب الأجر العظيم: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ)، فالمخطئ بحاجة إلى الدَّعم العاطفي، والشعور بالأمن والانتماء، ومراعاة مشاعر أفراد العائلة جميعا نحوه.. حتَّى تحقِّق الشركة العائليَّة السَّعادة لأفرادها، والنَّجاح في أعمالها، فقد تنتهي الحياة ولا تنتهي المشكلات.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store