الستر قيمة حياتيَّة، وصِفة ربانيَّة، قيمة حياتيَّة؛ لأنَّها تمسُّ الإنسان جسمًا ونفسًا، وصِفة ربانيَّة؛ لأنَّه أحد أسماء الله الحسنى، والستر شيء منحه الله -سبحانه وتعالى- للإنسان فقط، دون الحيوانات، فلا يُولد مولود إنسان إلَّا ويُحاط بلفافةٍ من قماش يستر بها عورته، حيث ذلك من الفطرة، يستمر عليها بقيَّة حياته، حيث ترفض فطرته أنْ يرى أحدٌ عورتَهُ، ونزع اللِّباس عن العورة فعلٌ فاحشٌ، ومن عمل الشَّيطان، وكلَّما عصى الإنسان ربَّه، وبعد عنه، تساهلَ وابتُلي بكشف عورته، وكذا يُبتلَى بالاطِّلاع على عورات الآخرين.
ولعلَّ ذلك يشبه -إلى حدٍّ مَا- الذي حدث لأبينا آدم، وأُمِّنا حوَّاء في الجنَّة، حيث نُزع عنهما لباسهما بعد أنْ جعلهما الشَّيطان يرتكبان المعصية، كما قال تعالى: (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ) ليسترا حالهما من التَّعرِّي، والستر في حق المرأة عن الاجانب حفظ لها، وهو من توجيهات القرآن الكريم، وهو قيمة حياتيَّة لها، وعافية لها من أنْ تُبتذل في جسمها.
فالمعنى الآخر للستر، هو الستر على الخلق من جهة الله -سبحانه وتعالى-، أو من جهة الخلق بعضهم على بعض، فمن يستر عملا صالحا أيا كان نوعه بينه وبين الله، فتلك «خبيئة» يكافئ الله عليها في الدنيا والآخرة وهذا ما يعرف بالستر الإيجابي من طرف العبد نحو ربه، أما الستر الآخر، فهو ستر الله على عبده، فيما يعمل من ذنوب، وهو ما يعرف بستر «الخطيئة»، وفيه من العلاقة بين العبد وربه، ما يكفي لمزيدٍ من الترابط؛ كون مَن لا يعلم ما تقوم به حتَّى على مستوى ما بينك وبين نفسك من تصرُّفات إلَّا الله (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، ثم هو -سبحانه وتعالى- يستر عليك عظائم الذنوب، وكم من الذنوب والخطايا والآثام والنِّيات السَّيِّئة والجرائم المخفيَّة عن أنظار النَّاس قد علمها الله -سبحانه وتعالى- منك وسترها، ومن هنا تكون أهميَّة أن تستر على غيرك من خلق الله فيما تعلم من أخطاء وتصرُّفات بدرت منهم، ولا يعلمها أحدٌ إلَّا الله، فكيف لو كان لها تأثير في حياتك وسترتها بغية وجه الله، وتحقيقًا لقولهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: (مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ)، فالتوجيهات من الله، ثم رسوله للمسلم ألَّا يُظهِر ذنوبه ومعاصيه ويجهر بها، فالبعض يستره الله -سبحانه وتعالى- ليلًا، ثمَّ إذا أصبح جهر بها؛ عاصيًا لله حتَّى في ستره له (لَّا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ)، وعاصيًا لرسوله فيما ورد في صحيح البخاري قوله -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إِلَّا المُجَاهِرِينَ)، فالسَّتر على النَّفس، أو السَّتر على الآخرين، كلها ترمي إلى تحقيق أهداف اجتماعيَّة ونفسيَّة، كما أنَّها تصنع مجتمعًا مُتَعَافَى من عاهات الجهر بالمعصية التي لا يحبُّها الله.


