صدر الأمرُ السَّامي الملكي رقم أ/٤٣، بتاريخ ٢٩ /٤ /١٤٢٨ بتعيِّين صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أميرًا لمنطقة مكَّة المكرَّمة.. وكان أوَّل تصريح إعلامي لسموِّه: «إنَّها أغلى ثقة، من أكبر رجل، في أقدس بقعة»؛ نعم، إنَّه الشَّرف العظيم الذي حظي به سموُّه الكريم؛ بأنْ يكون أميرًا لمكَّة المكرَّمة، والتي يفد إليها الملايين من الحجَّاج والمعتمرِينَ، ومن جميع أنحاء العالم الإسلامي، فسموُّه يحمل من الحنكة والحكمة، وكريم الخُلق، وحُسن التَّعامل مع النَّاس بما يحقِّق أهداف المنصب، فهو تكليف وتشريف؛ ونجاحه الكبير الذي حقَّقه لمنطقة عسير، وامتدَّ لـ37 عامًا بنى فيها مجد عسير، وبهاء أبها؛ فاستغلَّ المقوِّمات الموجودة من طبيعة ساحرةٍ، ومورد بشريٍّ فاعل؛ ليُحوِّلها إلى مصيفٍ سعوديٍّ استثنائيٍّ.
وجاء لمنطقة مكَّة المكرَّمة، وقَبِلَ التَّحدِّي، فهي المنطقة المختلفة كليًّا عن عسير جغرافيًّا، ومن حيث التَّركيبة السكَّانيَّة، والتحدِّيات التي تواجه مدنها الكُبْرى، «جدَّة، ومكَّة المكرَّمة، والطَّائف»، وما يرافقها من محافظات.
ولأنَّ أميرنا المحبوب هو شاعر وفنَّان، فقد «رأى حين طالع في السَّماء حدثًا فلكيًّا جديدًا لمجرَّة شمسها في مكَّة، فتصوَّر الكعبةَ شمسًا، وجدَّة والطَّائف قمرَينِ على جانبيها، والمحافظات نجومًا تطوفُ حولها في مسيرة تنمويَّة متناغمة.. والمجرَّة تمضي -بإذن ربها- سالمةً غانمةً»؛ رُؤية سامقة، سطَّرها في كتابه القيِّم: (بناء الإنسان وتنمية المكان)، والذي اشتمل على مقدِّمة عن حبِّه وعلاقته بمكَّة، فهي مسقط رأسه، وكان منذُ نعومة أظافره يحضر مجلس والده الملك فيصل -رحمه الله- فاكتسب منه الكثير من الخصال، وفي التَّعامل مع أهل مكَّة، الذين اختلط بهم، وعرف الكثير من عادات وتقاليد وتراث مكَّة المكرَّمة الثَّقافي.
وفور وصوله، كان عليه مواجهة المشكلات في كلِّ منطقة، فهناك أكثر من ٦ ملايين إنسان يقطنُونَ منطقة مكَّة، وينتظرُونَ بفارغ الصَّبر المشروعات والخدمات، ولكن لا مستحيلَ مع الإرادة، فقد اتَّخذ الالتزام مبدأ أساسًا في العمل، ليكون قدوةً لجميع الموظَّفين في الدَّولة، ووضع رُؤيته التنمويَّة وإستراتيجيَّة المخطَّط الإقليمي.. فتحقَّقت المنجزاتُ والمعجزاتُ، سواء في المبادرات، أو المشروعات (والاهتمام بالشَّباب)، فكانُوا من أهمِّ أولويَّاته.
كما كانت المبادرات مثل: سوق عكاظ، وجائزة مكَّة للتميُّز، والكراسي العلميَّة والأكاديميَّة في الجامعات، ومراكز الأحياء، وبرنامج كيف نكون قدوة لبناء نموذج القدوة المميَّز في المجتمع وتعزيز مفهومها، ثم كيف نكون قدوةً بالعالم الرقميِّ، وكيف نكون قدوةً في خدمات الحجِّ والعُمرةِ؟.. وقُدِّمت الكثير من البرامج والأنشطة التي دعمت بناء الإنسان؛ ليكون متمسِّكًا بالقيمِ الإسلاميَّةِ الخالدة، والبُعد عن الفساد الذي يعطِّل التَّنمية.
وأهم مشروعات مكة المكرمة كانت تطوير العشوائيات، ومعالجة مشكلات الجالية البرماوية، والمخطط الشامل لمكة المكرمة، والمشاعر المقدسة، وتطوير النقل العام، وغيرها.. وأما محافظة جدة، فقد حظيت بالكثير من المشروعات أهمها: معالجة مشكلات السيول، وانقطاع الماء، والتيار الكهربائي، وتطوير كورنيش جدة، وغيرها من المشروعات التي حققت الكثير للإنسان والتنمية.
وأمَّا في محافظة الطَّائف، فقد كان الاهتمام بها كمصيفٍ، عاش فيه أجمل أيَّام شبابه، وتغنَّى به في شعره، فكانت المشروعات لتطويرها كمصيفٍ وتحديث المخطَّط العام حتى عام ١٤٥٠هـ، وتطوير القرى والأسواق القديمة، ومبادرة واحة التَّقنية الكُبْرى، وجامعة الطَّائف.. وغيرها.
هذا غيض من فيض من التحديات التي واجهها سموه في بناء الإنسان وتنمية المكان، وانتصر للإنسان والتنمية فيها.. ولكن ماذا بعد ذلك؟ ما يأمله الناس في منطقة مكة المكرمة، بأنْ يُقام حفل تكريم لسموه يليق بمقامه وإنجازاته في المنطقة، وأن يُخلَّد اسم (خالد الفيصل) ليس بنصب تذكاري، ولكن بمشروع حضاري تحتاجه المنطقة، وأقترح أنْ يكون مركزًا ثقافيًّا أدبيًّا يُطلق عليه اسم (مركز خالد الفيصل الثقافي)، وهو تكملة لمشروع أيَّده سموُّه الكريم (لنادي مكَّة الثَّقافيِّ الأدبيِّ)، حيث كنتُ بمعيَّة رئيس النادي د. حامد الربيعي، وبعض من أعضاء مجلس إدارته، وتمَّ عرض المشروع عليه، والذي أُنجز منه تقريبًا 60%، ولكن يحتاج إلى دعم لتكملته، وأعتقدُ أنَّه حاليًّا دور وزارة الثَّقافة، فهي المُناطة بالأعمال الثقافيَّة، على أنْ يكون مركزًا مشتملًا على كافَّة أنواع الثقافة، من الأدب، والتُّراث، والفنون التشكيليَّة، والخط العربي؛ ممَّا يعزِّز الفخر بخالد الفيصل لدى المجتمع المكيِّ والمسلمِينَ من أنحاء العالم، ويكون هذا المركز دليلًا على القيمة التي يستحقُّها سموُّه، وتخليدًا له في الذَّاكرة الجمعيَّة للوطن. ونحن على ثقةٍ بسمو وزير الثقافة الأمير بدر بن فرحان آل سعود، وأنَّه سيجد من مثقَّفي مكَّة المكرَّمة وأدبائها مَن يُشرف ويُدير هذا المركز بكفاءةٍ عاليةٍ، ليُحقِّقَ الكثير للثَّقافة السعوديَّة، ولنْ يتوانى عن الأخذ بمثل هذا المشروع الحضاريِّ.. فسموُّه يستحقُّ ذلك وأكثر.


