في مقالٍ كتبَه الدكتورُ زيد الفضيل، بصحيفة مكَّة بعنوان (الصِّراع على سرديَّة الذَّاكرة)، انتقدَ -من خلاله- الكثيرَ من الثَّوابت التَّاريخيَّة للعصر القديم في الجزيرة العربيَّة، واتَّهم الكثيرَ من علماء التَّاريخ والآثار الأفاضل، الذين أفنُوا جلَّ أعمارهم في البحث والتقصِّي التَّاريخي للجزيرة العربيَّة، والذين انطلقُوا فيه من زياراتهم الميدانيَّة، من خلال الأحافير التي قاموا بها، ووجدوا الكثير من المقابر والهياكل التي تعودُ إلى عصورٍ سحيقةٍ، وفسَّرُوا النُّقوش الموجودة بالكتابات الثموديَّة والمسماريَّة والأراميَّة والعبريَّة، ولم يكتفِ الزَّميل بذلك، بل انتقدَ -أيضًا- الكُتب السَّماويَّة كالتوراة والإنجيل، و(صحف إبراهيم وموسى)، حيث يرى أنَّها محرَّفة.
وللتَّوضيح فالتَّحريفُ الذي حدث، لم يكن في جميع محتواها، بل في البعض القليل منها، وللعلم فقد اكتُشف حديثًا مخطوطة للتَّوراة تعود إلى عهد سيِّدنا موسى -عليه السَّلام-، وفيها محتوى كلِّ الأسفار الخمسة: التَّكوين، والخُروج، واللاويين، والعدد، والتَّثنية، وحتمًا فيها سيتَّضح -مستقبلًا- المُحرَّف منها والصَّحيح.
كما تجاهل الزَّميل بعض الآيات القرآنيَّة، التي تؤكِّد عكس ما أورده في مقالته، كقصَّة الأخدود التي وردت في سورة «البروج»، وهم بنجران الحاليَّة جنوب الجزيرة العربيَّة، وقصَّة سيدنا سليمان مع بلقيس ملكة سبأ -أيضًا- بجنوب الجزيرة العربيَّة، حينما أخبره الهدهدُ، والتي وردت في سورة «النَّمل»، فهل الهدهدُ كان عابرًا للقارَّات، يأتي من فلسطينَ إلى اليمنِ، أم كانَ يتنقَّل من شجرةٍ لأُخْرَى عبر مسافاتٍ قصيرةٍ، كما هي طبيعته؛ ممَّا يدلُّ على قُرب مملكتيهمَا؟ وهذَا -أيضًا- ما دوَّنته التَّوراة في سفرَي «التَّكوين، والخُروج»، وتناسى -أيضًا- وجود النبيِّ إبراهيم -عليه السَّلامُ-، الذي عاش بجنوب الجزيرة العربيَّة، وكذا النبيِّ إسماعيل، والنبيِّ لوط -عليهم جميعًا السَّلام- الذين عاشُوا بالجزيرة العربيَّة، والنبيِّ صالح وقومه ثمود، والنبيِّ هود وقومه عاد، والنبيِّ موسى، والنبيِّ شُعيب، وآخرهم نبينا محمد -عليه الصَّلاة والسَّلام- خاتم الأنبياء، ولم يقتصر هذا الأمر على إثبات أنَّ منطقة الجزيرة العربيَّة تُعدُّ مهدًا للبشريَّة، حيث كانت جنَّة سيدنا آدم على الأرض في منطقة بالقرب من نجران الحاليَّة، تُسمَّى أدمه باسمه، وهذا كلُّه ذُكر بالتَّوراة سفر «التَّكوين» في عدد من الإصحاحات التي قرأتُها بنفسي، وذكرتُها في منشور سابق، وذكرتُ كيف انتشرتِ البشريَّةُ منها إلى مختلف بقاع الأرض، كما ذكرتُ الكثيرَ من المصادر الأجنبيَّة والعربيَّة التي تحدَّثت عن الكثير من تلك المعلومات، أبرزها كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) للمستشرقة الألمانيَّة زغريد هونكة، وعربيًّا كتبَ عن ذلك بعضُ علماء التَّاريخ والآثار المتخصِّصين ممَّن ألَّفُوا الكثيرَ من الكُتب الثَّمينة في هذا المجال، كان أبرزهم الدكتور أحمد داوود في كتابه (العرب والسَّاميُّون والعبرانيُّون وبنو إسرائيل واليهود)، والدكتور كمال الصليبي في كتابه (التوراة جاءت من جزيرة العرب)، والدكتور أحمد قشَّاش في كتابه (أبحاث في التَّاريخ الجغرافي للقرآن والتوراة ولهجات أهل السراة)، والدكتور محمد مصطفى في كتابه (التُّراث المأثور)، والدكتور فاضل الربيعي في كتابه (بنو إسرائيل وموسى لم يخرجُوا من مصر)، وكتاب (يهوذا والسامرة البحث عن مملكة حمير اليهوديَّة)، وكتاب (الشيطان والعرش - رحلة النبيِّ سليمان إلى اليمن).
وبما أنَّ شخصي المتواضع متخصِّص في قسم الآثار والحضارة الإسلاميَّة، وقد حظيتُ مع أساتذتي من كبار علماء الآثار بزيارة الكثير من تلك المواقع، ووجدناها تكتنزُ بالكثير من التُّراث الحضاريِّ المطموس والمنسي، لكن أُهملت بسبب الجهل المتقادم في الجزيرة العربيَّة، وبسبب بعض أصحاب الفكر المتزمِّت، ولكن الآن دولتنا -أعزَّها اللهُ- بدأت تكثِّف جهودها لكشف ذلك التُّراث، وبدأت في كشف البعض منها، وقريبًا سيُكشف البقيَّة عن طريق الجهات الحكوميَّة المختصَّة في هذا الجانب.
وليت الزميل العزيز، أثبت ما أورده في منشوره المتشنج بالأدلة التي يمتلكها، ويقيني أنه لا يمتلك ذلك؛ لأن تخصصه في التاريخ الحديث، ونعلم أن هذا التخصص محشو بالتزوير والتضليل؛ لأنه يكتب بيد الأقوياء المنتصرين، لا بيد الحكماء المحايدين، وليته اتبع طرائق السرد العلمية، التي تعتمد على تسلسل الأحداث وترابطها، كما عنون به مقالته، بدلا من طريقة «من كل بحر قطرة».
وبما أنَّ مساحتي في الصحيفة لا تتَّسع للمزيد من التَّفصيل، فسأكتفي بما أوردته، علمًا بأنَّ لديَّ الكثير.. واللهُ من وراءِ القَصدِ.


