تُعدُّ المحافظة على الصَّلاة في وقتها، وأركانها، وواجباتها، وسننها نعمةً ورزقًا من الله أغلى من رزق المال؛ لأنَّ ليس كل مَن منحه الله مالًا، أو جاهًا يكون سعيدًا، بينما مَن أعطاه الله المحافظة على الصَّلاة يكون غالبًا إنسانًا سعيدًا؛ لأنَّ ذلك في مفهوم علم النَّفس الإيجابي -وهو أحد فروع علم النَّفس التي تُدرَّس، وفيه متخصِّصون- أحد المكتسبات الإيجابيَّة في الحياة.
جاءت تزكية الله للمصلِّين في آيات متعدِّدة من القرآن الكريم، منها الاستثناء في مدح المصلِّين عند الهلع، وأحداث الشر والخير، فقد جاء هذا المدح الإيجابي من الله بعد العديد من الصفات السلبيَّة، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الإِنسَـانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الخَیرُ مَنُوعًا إِلَّا المُصَلِّینَ الذِینَ هُم عَلَى صَلَاتِهِم دَاۤىِٕمُونَ) فالهلع والجزع والمنع صفات ذميمة وسلوكيَّات دنيئة لا تصيب المصلِّين، ومن هذا الاستثناء الإلهي المؤكَّد فإنَّ الإيجابيَّة تأخذ طريقها إلى النَّفس البشريَّة ولو ذهبنا نستقصي ما جاء في كتاب الله، وسنَّة رسوله من وصف إيجابي ومكتسبات إيجابيَّة في حقِّ المصلِّين لوجدنا الكثير الكثير، لكن يظلُّ هناك مصلُّون معنيُّون بالسلبيَّة والصفات السلبيَّة موجودون وموعودون بالويل في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) فمع أنَّهم مصلُّونَ لكن تأكَّد في حقِّهم صفات سلبيَّة نفسيَّة واجتماعيَّة، وأولها المساس بجانب الصَّلاة نفسها، فيسهو عنها فلا تؤدَّى في أوقاتها، والسهو هنا ليس فيها؛ لأنَّ الكثير يسهو في الصَّلاة، لكنَّ السهو هو عنها، وعدم الاعتناء بها في أدائها في وقتها.
إن مما يجعل المصلي من أهل الويل كذلك، أنه يرائي غير الله في عمله الدنيوي والأخروي، وأول ذلك الرياء في أداء الصلاة، وقس على ذلك بقية الرياء في العبادات والمعاملات، وكذلك مما يوجب الويل للمصلي غياب الجانب الاجتماعي، وعدم التعاون في الأمور الحياتية والمتطلبات الإنسانية يجعل صاحبه من أهل الويل، وقد شرحت هذا المعنى بتوسع في مقال لي سابق بعنوان (الماعون ورمزية التعاون).
أعودُ لأقول إنَّ «إلَّا المُصَلِّينَ» فيه استثناءٌ ورفعةٌ لمقام المصلِّينَ، بالإضافة إلى منحهم وسام الحفظ والتزكية في الحياة الدنيا، والجنة والرضوان في الآخرة، بعكسِ قوله تعالى: «وَيْلٌ لِلمُصَلِّينَ» فيه ذمٌّ لشريحة من المصلِّين، تتواكل في حياتها على رمزيَّة الصَّلاة، وكونهم يصلُّون لكن لا يتمثَّلونها في التعهُّد بأدائها، واحترام أوقاتها، ولا يتمثَّلونَها كذلك في التعامل في الحياة، بل يسيئون إليها في تصرُّفاتهم وأخلاقهم وتعاملهم؛ لذلك كان وصفهم «عَنْ صَلاتِهِم سَاهُونَ» أي بعيدُون كلَّ البُعدِ عن أدائها كما أرادها الله -سبحانه وتعالى-، فالفوز بالصَّلاة إنَّما يكون بالمكتسبات الإيجابيَّة الرُّوحيَّة والنَّفسيَّة والقلبيَّة، وكذلك بالمكتسبات الإيجابيَّة الحياتيَّة والاجتماعيَّة والواقعيَّة، في المقابل خسران الصلاة إنَّما يكون بالسَّهو عنها، وإهمال أدائها، بالإضافة إلى البحث عن الرِّياء والسُّمعة ورفض مبدأ التَّعاون والمساعدة في متطلَّبات الحياة.


