الوطن العربي كمساحة، يمثِّل قلب العالم، وأراضيه تكتنز أغلب ثروات العالم -أيضًا- وموقعه يسيطر على أهم المعابر الإستراتيجيَّة الرئيسة في العالم التي تربط شرقه بغربه، وشماله بجنوبه، وثروته البشريَّة هائلة، لكنَّ المتمعِّن لواقع الحال الذي عاشه أهله -ولازالوا يعيشونه- قبل الإسلام وبعده، يجد هذا الوطن الكبير يعيش حالةً من الشتات والتشرذم والتناحر المستدام.
فقبل الإسلام كان الحال تعصبًا قبليًّا، وتناحرًا بين القبائل، لا لشئ عظيم، بل لتوافه الأسباب، كقتال دام أربعين عامًا، من أجل ناقة! ومثله كذلك من أجل فرس، ومثله من أجل مرعى، وهكذا كل قبيلة تحارب جارتها، وكل قرية تحارب جارتها، والجميع لا يجد قوت يومه، ولا دواء مرضه، ولا لباس جسده إلَّا من المتوفِّر حول طبيعة المكان الذي يعيشه، واستمر ذلك الحال المزري حتَّى رأف الله بهم، فبعث لهم رسولًا من أَنفسِهِم وأنزل عليه كتابًا من عنده؛ ليكون لهم مرجعًا ونبراسًا؛ ليكونُوا أُمَّةً فاعلةً تعمر الأرض، وتقيم العدل، وتنشر المساواة، وقد تحقَّق ذلك -بعون الله- عندما كان رسولُ ربِّ العالمين المصطفى محمد بن عبدالله بينهم، يوجِّه، ويعلِّم، ويربِّي، واستقام حال تلك الأُمة حتَّى اجتباه ربه إليه، فبدأت انتكاستهم بعد وفاته -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- حينما قلبوا مضامين العقيدة الربانيَّة، وحوَّلوها إلى سياسة يتناحرون بينهم على مَن يتولَّى حكمهم، كما حدث في سقيفة بني ساعدة، ثم بدأت جذوة الخلاف حين بدأت رغبة الساسة، وبريق الحكم تطفو على مضامين العقيدة، فتحَارَب بعض الصحابةُ علَى مَن يحظَى بها، فقامت معركة الجمل، وصفِّين، والنهروان بينهم، وقُتل منهم أكثر من عشرة آلاف حينها. وللعلم فكل المتحاربين مسلمُون مؤمنُون يخالفُون بذلك قولَ الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، حتَّى استطاع بنو أُميَّة أنْ يفوزوا بالحُكم، فانشغلوا حينها بما يُسمُّونه الفتح الإسلامي، قتال هنا، وقتال هناك، فدخلوا بلدان الفرس والرُّوم اللتين كانتا تعيشان أوجَ حضارتهما الماديَّة، واستمرَّت حالة السيطرة، حتَّى انقلب عليهم بنو العباس، فقامت دولتهم، وانتعشت حضارتهم بعد اندماجهم مع حضارة الفرس والرُّوم التي أفادت منها ومن أتباعها الكثير من المنتجات العلميَّة والماديَّة.
لكن الذي حدث، أنه بعد مرور مئتي عام، سيطر الفرس -ومعهم بعض الأتباع من اليهود- سيطرة غير مباشرة على مفاصل الدولة، فكانت الفرصة مواتية لهم للانتقام من هذه الدولة، التي قضت على دولهم، وعلى حضارتهم، والتي سبت وقتلت منهم الكثير، فقرروا أن ينتقموا من مصدر قوتهم التي ساهمت في هذا البناء الجديد القوي، فعززوا ودعموا المذاهب الفقهيَّة، ودعموا وعزَّزوا تدوين الحديث، ومن خلالهما كذبوا، وأدخلوا مسبِّبات الخلاف والتصدُّع، وتجاهلوا كتاب الله الكامل التَّام المفصَّل، الذي لم يفرد أمرًا من أمور التَّشريع، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهنا بدأوا في خطَّة إثارة الخلافات المذهبيَّة، وعزَّزوا وجود الفرق والشعب التي ضلَّت وأضلَّت من بعدها، ثم استكملت تلك الخطة في العصر الحديث من قِبل الدُّول الغربية بتقسيم الأوطان العربيَّة من خلال اتفاقيَّة «سايكس بيكو» التي عزَّزوا من خلالها الأرث الفارسي واليهودي، الذي بدأ في العصر العباسي، وها هي أُمتنا العربيَّة تترنَّح في خضم تلك الخلافات والانقسامات المستدامة.


