- هلْ أصبَحَ النَّاسُ أكثرَ هَشاشَةً نَفسيَّةً حقًّا كَما يُقَالُ؟، أمْ أنَّهُمْ أصْبحُوا يُؤذُونَ بَعضَهُم بِأنواعٍ أخطرَ وأسْوأََ مِنَ الأذَى والكَدْماتِ النَّفسيَّةِ؛ الَّتي قلَّ مَنْ يَحتَمِلُ أثرَهَا الجَسِيمَ على النَّفسِ والرُّوحِ؟.. هلْ صِرْنا أكْثرَ هشَاشَةً وضَعْفًا وتأثُّرًا بالجَرْحِ، أمْ أصْبَحْنا أكْثرَ توَحُّشًا وهَمَجيَّةً وعُنْفًا؟.
- خَيْباتُ الأَمَلِ المُتَكرِّرَةِ مِنَ العَلاقاتِ الإنْسانِيَّةِ، هيَ السَّبَبُ في تَوجُّسِ كثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ بَعضِهِمْ، وحَذَرِهِم الشَّدِيدِ مِن أيِّ تواصُلٍ طَبِيعيِّ بيْنهُم، وقَدْ يَصِلُ بِهمُ الخوْفُ مِن عَلَاقاتِهِم إلى حَدِّ العُنفِ والتَّنمُّرِ، وسُوءِ الظَّنِّ ابتِدَاءً.. هَكَذا يَفعَلُ الخُذْلانُ.. يَترُكنَا بِجُروحٍ غائِرَةٍ، ونَدْباتٍ جَسِيمَةٍ، ومَشاعِرَ مُتَضارِبَةٍ.
- النَّاسُ لا يَستَقِرُّونََ عَلى سُلوكٍ أو رَغَباتِ أو أمْزِجَةٍ.. لا بَأْسَ، هَذا هُو الحَالُ، وسَيَظلُّ كذَلِكَ.. تَفهَّمًا وتَأقْلَمًا.
النَّاسُ أعْمَاقٌ.. لا تُحاوِلْ سَبْرَ أغْوارِهِم، إلَّا إنْ كُنتَ مُستِعدًّا للتَّعاطِي معَ أسْوأ ما فِيهِم.. انتَبِه!. «النَّاسُ فَقدُوا القُدْرَةَ حتَّى عَلى البُكاءِ، إنَّهُمْ يَبْكُونَ بِدُموعٍ تتَساقَطُ إلى الدَّاخِلِ، إنَّهُم يبْكُونَ كُلَّ الوقْتِ، حتَّى أثْناءَ النَّوْمِ».. هَكَذَا قالَ الرِّوائِيُّ: «عبدُالرَّحمنِ المنيف».
- تَنْتشِرُ بِتَسارُعٍ ملْحُوظٍ في المُجتَمَعاتِ المَدنِيَّةِ في عصْرِ مَا بَعدَ الحَداثَةِ، الفَرْدَانيَّةُ والوَحْدَةُ، والعُزْلةُ الاختِيارِيَّةُ، مَعَ حُمَّى «فُوبيَا» العَلاقَاتِ، وفَرْطِ الاعتِمادِ على الذَّاتِ مَعَ سُهُولَةِ التَّخلِّي والاسْتِغنَاءِ وهَوَسِ الأَنَانِيَّةِ.. مُستَقبَلُ الأخْلاقِ والعَلاقَاتِ إلى المَجْهُولِ!.
- لِذَا، لَعلَّ مِنَ الحِكْمةِ أنْ تَكونَ قَادِرًا نفْسِيًّا وعَمَلِيًّا ومَادِّيًّا على العَيْشِ في عُزْلَةٍ اختِيارِيَّةٍ طوعِيَّةٍ، مُتَجنِّبًا قَدْرَ الإمْكانِ مُخَالَطَةَ النَّاسِ، دُونَ ضَررٍ ولا ضِرَارٍ!. وهَذا بِالطَّبعِ يتَطلَّبُ قُدْرةً مَادِّيَّةً كافِيَةً واستِقْلالًا مَاليَّا مُعتَبرًا، يَحمِي بِهِمَا الشَّخْصُ حُدُودَهُ ومُقدَّرَاتَهُ وكَرامَتَهُ.
- في أعْمَقِ مَشاعِرِنَا، نَحنُ جمِيعًا غُرَباءُ، لأنَّنَا نُحاوِلُ أنْ نَظهَرَ «طبِيعيِّينَ» تَجنُّبًا لتَنَمُّر النَّاسِ، أو سُوءِ فَهْمِهِمْ، أو حتَّى خوْفِهِمْ مِنَّا. يَقولُ (سَارتر): «سوْفَ يَقُولُونَ عنْكَ أنَّكَ إنسَانٌ عاقِلٌ وصَالحٌ فقَطْ عِندَمَا لا تَنْتقِدُ ما يَعتَقِدونَ، عِنْدَمَا تَكونُ نُسخَةً مِنْهُم.. النَّاسُ لا تَتَصالَحُ معَ مَنْ يُرِيدُ أنْ يَكُونَ نَفْسَهُ».
- أَحِبَّ النَّاسَ ولكِنْ لا تُرْهِقَهُم بِتَوقُّعاتِكَ.. فمُعظَمُهُم مَسَاكينُ لا تُسْعِفُهُم عُقولُهُمْ وبَعضُهُم لا يَهتَمُّونَ، وآخَرُونَ مُجَرَّدُ أوْغادٍ.. بيْدَ أنَّ مِن الحِكْمَةِ مُعامَلَةُ النَّاسِ بِوصفِهِم أطفالًا، أوْ مَرْضَى، أوْ مَجانِينَ.. مَع خفْضِ مُسْتَوى العَشَمِ فِيهِمْ، تَجَنُّبًا لخَيْبَةِ أمَلِكَ فِيهِمْ.


