قال الفقيه أبو نصر السبكي -رحمه الله-: «كثيرًا ما رأيتُ مَن يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها».. وقديمًا قالوا: «وما آفة الأخبار إلَّا رواتها، فهم يفسِّرونها على ما يهوونه».
إنَّ تاريخ الإشاعة قديمٌ جدًّا، فقد عُرفت كما يقول الأستاذ مرتضى السعد منذ فجر التاريخ، وكانت الخطابة اليونانيَّة القديمة وسيلة من وسائلها؛ لدرجة أنَّ افلاطون اعترف بقيمتها أثناء اشتعال الحروب.. أمَّا في القرن العشرين ومنذ بداية الحرب العالميَّة الأُولى وفي أثنائها، فقد ظهرت الحاجة الماسَّة إليها، وتطوَّرت الشَّائعات ذاتها حتَّى أصبحت علمًا من العلوم له قواعده وأصوله.. وقديمًا تعرَّض الأنبياء -عليهم السلام- للإشاعات من قومهم؛ والمرء يُوقِن أنَّ الشَّائعات لا يفعلها إلَّا منافقٌ، والمنافق هو الذي يُحدِّث بكلِّ ما سمعه، وينقُل كلَّ ما سمعه، فقد ذكَر النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (أنَّ مِن آياتِ المُنافِق الثَّلاث: أنَّهُ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ).
والمتأمل الواعي الصادق لما يجري -وللأسف حاليا- في كثير من مجالسنا ومناسباتنا الاجتماعية من أحاديث غير موثقة تبثها وكالة أنباء (يقولون)، وهي وكالة منتشرة انتشارا عجيبا، وسبب انتشارها سهولة الإسناد إليها، والرواية عنها دون ضوابط، ولا رقيب ظاهر يوقف الرواة عن وكالة (يقولون) عند حدهم، ويكشف خطأهم، ويحذرهم من الوقوع في براثن هذه الوكالة الوهمية.
وتحت شعار «حدَّثني مَن أثِق به»، وهو شعارٌ مُضلِّل، يُحدِّثك أناسٌ بأخبار تكتشف فيما بعد أنَّ تلك الأخبار غيرُ صحيحة، أو أنَّها وصلتْ إليك بعدَما زاد عليها النَّاقلون أضعافَها، وبعد أنْ وجَّهوها وأوَّلوها وحَكَموا ظلمًا على نيَّات أصحابها.. فقد رُوي عن الأحنف بن قيس، ومعاوية -رضي الله عنهما- حيث قال معاوية: يَا أحنفُ، حدَّثَني عنكَ الثقةُ بكذَا، وأخبرهُ بكلامٍ غيرِ لائقٍ نُقِل عنهُ، فقالَ الأحنفُ: يَا أميرَ المؤمنِينَ، الثِّقةُ لا يُحدِّث، نَعَم (الثِّقة) ليسَ مُغتابًا ولَا صاحِبَ نميمةٍ.
ولذلك ينبغي التأنِّي والتَّروي قبل تصديق الإشاعة، وقد كان من خُلقِ نبيِّ الله سليمان -عليه السَّلام-، ما جعله عند مجيء الهدهد إليه بخبر {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ} (النمل: من الآية22)، أنَّه قال له: {سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (النمل:27)، فلابُدَّ من تطبيق هذه القاعدة، ولا مانع أنْ يكتب الإنسان الخبر، وأنْ يتروَّى ولا ينقله حتَّى يتحقَّق منه، ولكن شهوة النشر قبل الآخرين، تدفع إلى التهوُّر والتسرُّع فتكون النتيجة آثارًا خطيرةً مضاعفةً تؤثِّر على المجتمع، وتفسح المجال لزرع الأكاذيب وترويجها.


