إنَّ لِمَكَّةَ المكرَّمة مع الصحافةِ تاريخًا عريقًا، لا تُجاريها فيه مدينةٌ أُخْرى مِنْ مُدُنِ هذا الوطنِ الغالي (بلاد الحرمين) المملكة العربيَّة السعوديَّة.
فقبلَ مئةٍ وخمسةٍ وثلاثينَ سنةً، أُنشئتْ في مكَّةَ أوَّلُ مطبعةٍ في الحجازِ، وثاني مطبعةٍ عرفتْها جزيرةُ العربِ ومنطقة الخليج العربيِّ بعد مطبعةِ صنعاءَ في اليمن.
وبَعْدَها بنحوِ رُبعِ قرنٍ من الزَّمان تأسستْ في مكَّةَ المكرَّمةَ أوَّل صحيفة عرفَتْها جزيرةُ العربِ، صحيفةُ: حجاز، تلتْها صحيفةُ القبلةِ، وشمس الحقيقة.
وحين توحَّدتْ هذه البلادُ المباركةُ، أصدرَ جلالةُ الملكِ عبدالعزيز -رحمه الله- أوَّل صحيفةٍ في تاريخ المملكةِ من مكَّة المكرَّمة هي صحيفةُ أُمِّ القُرَى، ويعود تاريخ ظهورها للمرَّة الأُولَى في عام 1924م، ومن أبرز مَن تولَّى رئاسة تحرير هذه الجريدة الشيخ يوسف ياسين، وذلك في عام 1930م، ثم رشدي ملحس، وكانوا يشغلون السلك الدبلوماسي في عهد الملك عبدالعزيز، ثم تتابعتِ الصحفُ المكيَّةُ: الحرم، وصوتُ الحجاز، وحراء، والندوة، وأخيرًا صحيفة مكَّة، وصحيفة مكَّة الإلكترونيَّة.
وأضفْ إلى ذلك مجلَّاتِ: الرَّوضة، وهي أوَّلُ مجلَّة سعوديَّة ثقافيَّة مصوَّرة للأطفال، صدرت بمكَّةَ في عام 1379هـ والموافق 1959م، ومجلَّة الحجِّ والعُمرة وهي دوريَّة شهريَّة ثقافيَّة، وتُعدُّ أُولى المجلَّات الحكوميَّة صدورًا في عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- صدر العدد الأوَّل منها في رجب عام 1366هـ، ثم بعدها مجلَّة قريش، ورابطة العالم الإسلاميِّ، والتَّضامنِ الإسلاميِّ.
ومن الطَّريف أنَّ أوَّل صحيفة رياضيَّة في المملكة صدرت في مكَّة المكرَّمة وهي صحيفة (الرِّياضة)، التي صدرت سنة 1380هـ، قام بإصدارها الأستاذ محمد مليباري، والأستاذ فؤاد عنقاوي، ومثَّلت هذه الصحيفة البدايات الأُولى للصَّحافة الرِّياضيَّة السعوديَّة.
إنَّه تاريخٌ صحفيٌّ عريقٌ، حافلٌ بالعطاء، بالعلم، بالفكر، بالثَّقافة، بالأدب.
وعليهِ فإنَّ مكَّةَ المكرَّمة ليستْ العاصمةَ الدِّينيَّةَ فحسب، بل هي عاصمةُ العلم، وعاصمةُ الصَّحافةِ، وعاصمةُ الثَّقافةِ، وعاصمةُ الأدبِ.. فهنيئًا لأهل مكَّةَ هذا الإرث التاريخي العريق.
لقد ظلت الصحافة المكية لأكثر من خمسين عاماً مصدراً للأخبار والأحداث، وشهدت خلالها عشرات المعارك العلمية والنقدية والأدبية والفكرية، إنها لمسؤولية كبيرة لأي صحيفة أن يكونَ مقرها مكة قبلة المسلمين ومحج الحجاج والمعتمرين، فصحيفة مصدرها مكة، يجب أن تنعكس عليها روحانية البيت الحرام، ومهابة الحرم، وجلال الكعبة وزمزم والركن والمقام.


