Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

فن الإيذاء

A A
- الإنسَانُ كائِنٌ نفْعيُّ بامتِيازٍ، لا يُخالِطُ النَّاسَ إلَّا بِحسْبِ مَنفَعتِهِ، وتَحتَ ضَغطِ حاجَاتِه المَادِّيَّةِ والنَّفسيَّةِ والغَرِيزيَّةِ.

إنَّهُ كائِنٌ أنَانيُّ بِخِلقتِهِ، نفْعيٌّ بِطبْعِهِ، مُتوَحِّشٌ بِصفَتِهِ، لا يَصُدُّهُ عنِ الأذَى سِوَى مَنفَعةٍ يَطلُبُها أو مَضرَّةٍ يتَجنَّبُها.. الإنسَانُ كائِنٌ شرِّيرٌ في الأَصْلِ، خَيِّرٌ على الاستِثْناءِ.

- حِينَ يَتَبوَّأُ الإنْسانُ منْصِبًا أو مَكانَةً يُمكُنهُ مِن خِلَالِهَا تَقْيِيمُ غيْرِهِ والتَّمَكُّنُ مِن عوْنِهِ أو الإضْرارِ بِهِ، فإنَّهُ يَكونُ إلى التَّسلُّطِ عَليْهِ وإِيذَائِهِ أقْربَ. وهَذا يبْدُو سُلُوكًا مُنتَشِرًا في المُجتَمعَاتِ الوَظِيفِيَّةِ، إذْ كُلَّمَا ازدَادَتْ صَلاحِيَّاتُ «المُديرِ»، وتَعدَّدَتْ مَهامُّهُ ومَسؤُوليَّاتُهُ، صارَ أكْثرَ قُدْرةً على التَّحكُّمِ فِي مصَائِرِ المُوظَّفِينَ وحُقُوقِهِم، وأشَدَّ تمَكُّنًا مِن إيذَائِهِم، والمُمَاطَلةِ في إعْطَائِهِم حُقوقَهَم، أو حِرْمانِهِمْ مِنْها، بِوسَائِلَ تبْدُو نِظَامِيَّةً، وهيَ واقعيًّا مِنْ فُنُونِ الإيذَاءِ الَّتِي يَتَعلَّمُهَا أَحدُ الأوْغَادِ؛ فوْرَ اعْتِلائِهِ مَقعَدَ المَسؤُولِيَّةِ الَّتِي تَفُوقُ قُدْرَاتِهِ الفِكْرِيَّة والأخْلَاقِيَّة.

- إنَّ مِنْ أهَمِّ أسْبَابِ تَفَكُّكِ العَلاقَاتِ الإنْسَانِيَّةِ هوَ الإِيذَاءُ. النَّاسُ -بِصُورةٍ عَامَّةٍ- بَارِعُونَ في إِيذَاءِ بَعضِهِم، بِقَصْدٍ أو بِغَبَاءٍ، وبِجَميعِ الوَسَائِلِ اللَّفظِيَّةِ والسُّلُوكِيَّةِ والمَعنَوِيَّة والجَسَدِيَّةِ، دُونَ تَحَفُّظٍ أو نَدَمٍ يُذْكَر. لِذَلِكَ، تَبْدُو العُزْلَةُ اختِيَارًا وَجِيهًا، وَمِن عَلَامَاتِ الصِّحَّةِ النَّفْسيَّةِ والعَقلِيَّةِ الجَيِّدَةِ، عِندَ مُواجَهَةِ أفرادٍ كُثْرٍ مُصابِينََ باضِّطِرابَاتٍ شَخْصيَّةٍ وسُلُوكِيَّةٍ، ويَمِيلُونَ إلى صَبِّ جَامِّ غَضَبِهِم الدَّفينِ وعُقَدِهِم النَّفسيَّةِ على غيْرِهِمْ.

- إنَّ أسْوأَ مَا في مُعضِلَةِ العَلَاقَاتِ البَشَريَّةِ، أنَّهُ يَصعُبُ مَعرِفَةُ مَن لدَيْهِ نِيَّاتٌ سَيِّئةٌ، أوْ يُعانِي مِن اضطِرابَاتٍ شَخْصِيَّةٍ أو سُلوكِيَّةٍ أو نَفسِيَّةٍ عَويصَةٍ، قدْ تَكُونُ مُرْعِبَةً وضارَّةً، وذَلِكَ قبْلَ أنْ يُصِيبَكَ مِنْهُ بَعضُ الأذَى والجُنُونِ!. والأَعْجَبْ، أنَّهُ مَع الكَمٍّ الهَائِلِ مِن البُؤْسِ والشَّقَاءِ في العَالَمِ، وحَجْمِ الآلَامِ والمُعَانَاةِ في الحَياةِ، إلَّا أنَّ البَشرَ ليْسُوا طيِّبِينَ تِجَاَه بَعْضِهِم، بلْ يتَفنَّنُونَ في أنْواعِ الإِسَاءَةِ والتَّعْنِيفِ والتَّنمُّرِ ضِدَّ الآخَرِينَ.. يَا لَهَا مِنْ مَهزَلَةٍ.

- الكَرَاهيَةُ أسْهلُ مِن الحُبِّ.. لِذَا، يَسهُلُ عَلى النَّاسِ الإِيذَاءُ، ويَصعُبُ علَيهِمْ إسْداءُ المَعرُوفِ.. الكَرَاهِيةُ طِينِيَّةٌ واطِئَةٍ.. الحُبُّ سَمَاوِيٌّ مُتَسامٍ. والنَّاسُ -عُمُومًا- مَصدَرٌ لِلشَّقَاءِ.. والآخَرُونَ -كَمَا قَالَ سَارتَر- هُمُ الجَحِيم. يَقُولُ (الرَّافِعيُّ): «وَفي مَذْهَبِي، أنَّهُ إذَا اجتَمَعَ الأَذَى والحُبُّ في قَلْبٍ، وَجَبَ أنْ يَنْصرِفَ الحُبُّ مَطرُودًا مَدْحُورًا، ولَيْس مِنْ ذَلِكَ بُدٌّ».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store