Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الموت رحمة وليس نقمة

A A
لا شكَّ أنَّ الموت في صميمنا، والهلاك في طبيعتنا، وأنَّ الموت يعبث بنا ونحن أحياء، فإفرازات العرق تخرج من أجسادنا ميِّتة، وكلُّ يومٍ يمرُّ علينا تموت في أجسادنا بعضٌ من خلايانا، وتلفظ أحشاؤنا فضلاتها إلى خوارجها، وهي في حالة موت، وتخرج من دمائنا بعض من كرياتها الحمراء والبيضاء كل حين، وهي في حالة ميِّتة، إذًا الموت قابعٌ في تفاصيلنا، وبين أكمام حياتنا، واعتاد أنْ يكتب آجالنا على سطور لوحاته، ثم يعرِضُها على خشبة مسرح الفناء، لكن الموت يُعدُّ بالنسبة للكون رحمةً؛ لأنَّه يكتب الفناء على أشياء، ثم يقضي عليها، وذلك لخلق فرصٍ لأُخْرى لتأخذ دورها في الحياة، ولولا الموت لتراكم الأحياء على الأرض بعضهم فوق بعض، وذلك من إنس وكائناتٍ أُخْرى حتَّى تغطِّي أشعة الشمس عن الأرض، لكنَّه بالقضاء عليها يُعيد تنظيمها لتستمر حركة الحياة، أمَّا الموت عند الأفراد منَّا، فيُعتبَر فاجعةً ولا يحبُّهُ أحدٌ، بل يكرههُ جميعُ الخلق من الإنس، كيف لا؟ وهو يفجعنا في أعزَّ أصدقائنا، ويغادر بهم من بين أيدينا، ونحن لا حول لنا ولا قوَّة، ويلبسنا اللباس الأسود من الأحزان، ويأخذ أفئدتنا على حين غرَّةٍ منَّا، ويقتل الحبَّ في دواخلنا، ويُورِّث مكانه الأحزان التي تُكدِِّرُنا، ويقطع حبال الأماني بين القلب وتطلُّعاته، والعقل واستنتاجاته، ولكنَّه للمظلومين على العكس، فهو عندهم رحمة وخير، كيف لا؟ وهو يجعل الظالم يقف أمام عدل الله؛ ليقتصَ منه المظلوم في حقِّه الذي سلبه منه وقهرَه به، إنَّه رحمة ليُجزَىَ الصَّابرُ على صبره، ويُعاقَبُ الفاجِرُ على جُرمِه، والموتُ رحمة؛ لأنَّه ينهي حياة الفناء والكبَد هذه، ويأخذ المؤمن إلى حياة أبديَّة بلا موت، كيف لا وهو يُعجِّل بموعد لقاء خالقنا؟ أجل إنَّ الموت لو وضع في كفَّة في معادلة مع كفَّة الحياة في هذه الدنيا، لرجحَت كفَّةُ الموت في صالح العبد المؤمن بكفَّة الحياة، إذًا الموتُ رحمةٌ، وليس نقمةً إلَّا عند مَن أنكر الحقَّ، وسارع بتلقُّف الباطل، واندسَّ تحت لحافهِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store