تشيرُ التوقُّعات إلى تحقيق الاقتصاد السعودي نموًّا بنسبة 4.6% في عام 2025، مقارنةً بنسبة لم تتجاوز 0.8% في العام السابق، وهو ما يعكس بوضوح أثر السياسات الحكوميَّة الطَّموحة التي تبنَّتها المملكة في العقد الأخير. وهذه السياسات لا تقتصر فقط على تسريع وتيرة النموِّ، بل تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد بشكلٍ جذريٍّ، وذلك بتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطيَّة، التي يُتوقَّع أنْ تحقق نموًّا ملحوظًا بنسبة 3.7% في سنة 2025.
تُعدُّ مشروعات مثل «نيوم»، و»القدية»، و»مشروع البحر الأحمر» من الركائز الأساسيَّة التي تقود التحوُّل الكبير في المملكة، حيث أصبحت رمزًا للابتكار، ومنصَّةً لتطوير البنية التحتيَّة الحديثة. حيث يُتوقَّع أنْ يسهم مشروع «ذا لاين» في نيوم في خلق حوالى 380 ألف فرصة عمل جديدة، بالإضافة إلى دعم الاقتصاد، بإضافة تصل إلى 48 مليار دولار أمريكي للناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
إلى جانب هذه المشروعات الطَّموحة، تستعد المملكة لاستضافة إكسبو 2030، وكأس العالم 2034، وهي فعاليات تتجاوز كونها مجرَّد أحداث رياضيَّة أو ثقافيَّة، لتفتح آفاقًا واسعةً لتعزيز الاستثمار المحلي والدولي، وتنشيط السياحة. فمن المتوقَّع أنْ يجذب كأس العالم أكثر من 3 ملايين مشجِّع من الداخل والخارج، مع إنفاق يتجاوز 80 مليار ريال؛ ممَّا يرسِّخ مكانة المملكة كواحدة من أبرز الوجهات العالميَّة، ويؤكِّد جاذبيتها الاقتصاديَّة والسياحيَّة.
وفى هذا السياق، يظهر قطاع السِّياحة والضِّيافة كأحد أكثر القطاعات استفادةً من الطَّفرة الحاليَّة. حيث تُقدِّم المشروعات الحاليَّة والمستهدَفة للعالم مفاهيمَ جديدةً تجمع بين الرفاهيَّة والابتكار، مع توقُّعات لجذب ملايين الزوَّار؛ ممَّا يساهم في زيادة العوائد الاقتصاديَّة، وتوفير فرص عمل جديدة في القطاع وغيره من القطاعات المساندة، كالنقل والمواصلات وكذلك قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقميَّة، وقطاع الإنشاءات والبنية التحتيَّة، وقطاع التجارة والخدمات، وقطاع التَّعليم والتَّدريب وغيرها من القطاعات المساندة، التي تلعب دورًا حيويًّا في دعم نموِّه وازدهاره. فهذه القطاعات تعمل معًا لتوفير تجربة متكاملة للسيَّاح، وتعزيز البنية التحتيَّة والخدمات اللازمة.
وفى هذا السياق لا يمكن إغفال دور القطاع المالي، حيث تُظهر البنوك السعوديَّة قوَّة استثنائيَّة مع توقُّع نموِّ أرباحها بنسبة 10% في 2025، مستفيدةً من توسُّع محفظة القروض، وزيادة الاستثمارات في المشروعات الضخمة. كما أنَّ الحفاظ على معدَّلات تضخم منخفضة عند 1.9% يعكس استقرارًا ماليًّا يُسهم في تعزيز جاذبيَّة المملكة كبيئة استثماريَّة مستقرَّة ومزدهرة.
ورغم الإنجازات التي حققتها المملكة في مختلف القطاعات والمجالات، لا تزال تواجه تحدِّيات عالميَّة وإقليميَّة تفرض واقعًا معقَّدًا. فعلى الصعيد العالمي، تشكِّل التوترات التجاريَّة بين الولايات المتحدة والصين تهديدًا لاستقرار سلاسل التوريد؛ ممَّا قد يؤثِّر على حركة التجارة العالميَّة. أمَّا إقليميًّا، فلا تزال التوترات الجيوسياسيَّة تضغط على تدفقات الاستثمار، وتعرقل بعض جهود التنمية؛ ممَّا يستدعي تبنِّي سياسات أكثر مرونةً وحذرًا للتعامل مع هذه التحدِّيات بفعاليَّة، وضمان استدامة النموِّ.
وعلى الصعيد المحليِّ، ورغم التحدِّيات القائمة، تتبنَّى الحكومة السعوديَّة سياسةً ماليَّةً توسُّعيَّةً تهدف إلى تعزيز الإنفاق الفعَّال، وتوجيه الاستثمارات نحو مشروعات إستراتيجيَّة تدعم النموَّ المُستدام. ومع توقُّع عجزٍ في الميزانيَّة يصل إلى 101 مليار ريال (ما يعادل 2.3% من الناتج المحليِّ الإجماليِّ) خلال عام 2025، يُعدُّ تمويل هذا العجز من خلال الإصدارات المحليَّة والدوليَّة جزءًا من خطَّة شاملة لبناء بنية تحتيَّة تضمن التنوُّع الاقتصادي.
ووفقا للعديد من التقارير الاقتصادية، فإن عام 2025 لا يمثل مجرد مرحلة أخرى في مسيرة المملكة في التنمية، بل هو تجسيد لرؤية طموحة تمزج بين الطموح والعمل الدؤوب. ورغم أن البعض قد يشكك في إمكانية تحقيق هذه الطموحات، فإن الإنجازات التي تحققت -حتى الآن- ترسم صورة مستقبل واعد، وتؤكد أن رؤية 2030 هي طموح يتحقق يوما بعد يوم.
وبالرغم من التحدِّيات المحليَّة والدوليَّة، تواصل المملكة إثبات قدرتها على التكيُّف ومواجهة التحدِّيات، لتؤكِّد أنَّ التحوُّلات الاقتصاديَّة ليست مجرَّد أحلام بعيدة، بل واقع يُبنى بخطوات ثابتة على أرض الواقع.
ختامًا، إنَّ المملكة اليوم ليست مجرَّد وجهةٍ استثماريَّةٍ، بل هي رمزٌ لتحوُّلٍ اقتصاديٍّ مُلهمٍ لغيرها من الدُّولِ، فما تمَّ تحقيقه خلال العقد الأخير، يُعتبر أساسًا لمستقبلٍ اقتصاديٍّ مُستدامٍ وطموحٍ، يعزِّز مكانة المملكة كقوَّة عالميَّة ذات تأثير عالميٍّ كبيرٍ.
السعودية في 2025.. من الإصلاحات إلى الريادة الاقتصادية
تاريخ النشر: 12 يناير 2025 22:54 KSA
A A


