وطنُنا العربيُّ الكبيرُ، عاشَ -ولازال يعيش- حالةً من الجمود الفكريِّ والحضاريِّ منذ قرون، وبالطبع فإنَّ هذا الجمود الحضاريَّ لم يأتِ من فراغ، بل ترتَّب على أمور مختلفة، منها السياسيُّ، ومنها الاقتصاديُّ، ومنها الفكريُّ والثقافيُّ، فموقعه الإستراتيجي يشرف على أهمِّ البحار العالميَّة، كالبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، والبحر العربي، والمحيط الأطلسي، وهذه البحار بالطَّبع تتحكَّم في أهمِّ المواقع العالميَّة التي تتحكَّم في طرق المِلاحة العالميَّة، والثَّروات التي تمتلكها باطنُ الأرض وظاهرُها، تجعلها من أقوى دول العالم اقتصاديًّا وصناعيًّا، وثروتها البشريَّة يتجاوز عددُها نصف المليار مواطن، تستطيع أنْ تصنع من الفسيخ شربات (أقصد صناعيًّا).
ولا شكَّ أنَّ الحديث عن هذه الأمور مجتمعة، يطول، ويتشعَّب لمسارب مختلفة عند استثمارها حسن الاستثمار، لكنَّ الحديث هنا سوف يقتصرُ على الأسباب التي أدَّت إلى هذا الجمود المُستدام، ومن أبرز وأهم تلك الأسباب:
- تطبيق القوى العُظمى سياسة «فرِّق تَسُد» على الوطن العربي، ويقصد بهذه السياسة تفريق قوى الخصم؛ ليبقى ضعيفًا متهالك القوى، إمَّا بخلافات سياسيَّة كتنوُّع مسمَّيات الدُّول، كما حدث في البلاد العربيَّة في اتفاقيَّة «سايكس» الإنجليزي، و»بيكو» الفرنسي، حينما اقتسما دُول الهلال الخصيب بينهما، وقبل ذلك كانت سيطرة الدَّولة العثمانيَّة على أغلب المنطقة العربيَّة، والتي أبقته يعيش في ظلام الجهل والتخلُّف؛ لتحظى هي بقطف الكثير من ثرواته.
- تعزيز القوى المذهبية والطائفية السياسية، وإشعال فتنها وخلافاتها بين الدول العربية؛ لتشغلها عن البحث عن مستقبلها بهدف استثمار مواقعها وثرواتها؛ حتى لا تحظى بمسايرة بقية دول العالم المتقدم.
- ثمَّ كانت زراعةُ الكيان الإسرائيلي في فلسطين، كأداة أُخْرَى لإثارة البلابل والخلافات معها، وكي تكون -أي إسرائيل- محطَّة إشراف وتمكين لخدمة تلك الدُّول الكُبْرى.
وهكذَا تتابعت سُبل التَّشرذُم والتَّفريق، والسَّيطرة والابتزاز لثروات هذا الوطن الكبير، حتَّى تحوَّل إلى أدوات قمع يضرب بعضها بعضًا، ويكيد بعضها لبعض.
ولعلَّ ما يُوحي للمواطن العربيِّ ببصيصٍ من الأمل لجمع شتات هذا الوطن الكبير، هو ما تقوم به المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ، ممثَّلةً في قيادتها الحكيمة، من أدوارٍ إيجابيَّةٍ، الهدفُ منها جمعُ الشَّمل العربيِّ، وتوحيد قواه، وكان آخرهَا الوقوف بجانب الشَّعب السوريِّ، وتحقيق أحلامه، وتتابع الخطوات المتقاربة لإزالة كلِّ الأسباب التي جعلت الوطن العربيَّ متناحرًا متفككَ الفكر والحضارة، فالمملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ بقوَّتها المؤثِّرة عالميًّا، وبحُسن قيادتِها ستحقِّق ذلك. والمواطنُ العربيُّ ينتظرُ ذلكَ البصيصَ؛ ليصبحَ ضوءًا يجعل من الوطن العربيِّ وحدةً واحدةً مترابطةً متكاتفةً تسعى لبناء المستقبل الزَّاهر لشعوبِهِ.


