Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

عناية سعودية متواصلة.. بصيانة التراث الوطني

A A
فيما تقطع السعودية خطوات واسعة نحو تطوير واقعها وترقيته، وتسعى بلا كلل للحاق بركب دول العالم الأول، وتولي عناية كبرى للتحول نحو اقتصاد المعرفة وتوطين التقنية، فإنها في ذات الوقت تبدي حرصاً كبيراً على التمسك بتراثها الغني، وتعمل بجدية على ضمان انتقاله للأجيال الجديدة وحمايته من الاندثار.

وبينما تتواصل مساعي تحديث المجتمع وترقية الاقتصاد؛ نشهد بصورة مستمرة سباقات الإبل ومنافسات الخيول ومهرجانات الصقور، وآخر حلقة في ذلك موافقة مجلس الوزراء على توصية وزارة الثقافة بتسمية العام الحالي «عام الحرف اليدوية»، للاحتفاء بقيمتها الفريدة في الثقافة السعودية منذ سنواتٍ طويلةٍ، وإبراز ما يميّزها من صناعةٍ إبداعية، ومشغولاتٍ يدوية نوعية، وإبداعات الحِرفيين السعوديين لدى المجتمع الدولي.

هذه الوصفة المدهشة التي تتمسك بها السعودية؛ تعكس أرقى أنواع المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، وربط الماضي العريق لهذه الأمة بحاضرها المشرق، استشرافاً للمستقبل وترسيخاً لجذور الأمة الضاربة في أرض التاريخ. واستذكاراً لماضي الآباء والأجداد العريق، وتعريف الأجيال الجديدة به والمحافظة عليه من الانقراض.

ولا تنبع هذه الرؤية الحكيمة من فراغ، ولم تأت صدفة أو خبط عشواء، بل هي نابعة من قناعة راسخة بأن التطلع للأمام والرغبة في الانطلاق نحو التمدن والحضارة الإنسانية لا يعني الانسلاخ من ثوابت المجتمع وعاداته وتقاليده، بل على العكس يتوافق معها ويحقق مقاصدها، لأنه يحمي الأجيال الشابة من مخاطر تجاهل الهوية، والذوبان في ثقافات الآخرين والانسلاخ من الجذور.

لذلك فإن العناية بالحرف اليدوية والمحافظة عليها تمثل مظلةً جامعةً لكل مظاهر الاحتفاء بهذا المُكوّن الرئيسي، باعتباره قيمةً ثقافيةً وفنيةً بالغة الأهمية، وذلك لترسيخ الاعتزاز بالهوية، تحقيقاً لمستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، والتي تتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

ومع أن كافة مناطق المملكة تمتاز بحرف يدوية ومصنوعات محلية تعكس تراثها؛ الذي يرجع إلى آلاف السنين، إلا أن منطقة نجران تبرز في هذا المجال، وتتسم بالتنوع الحرفي في مجالات الفن العمراني وصناعة الخناجر والجنابي والسيوف، والجلديات، وفتل الحبال، وصناعة الطبول، وسلال الجنابي والخرازة والدباغة والحدادة ونجارة الصحاف، وصياغة الفضة، ورباب الدلال وغير ذلك.

لذلك، بادر الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد أمير منطقة نجران، لعقد لقاء مع الحرفيين في المنطقة خلال الأيام الماضية، أكد فيه أن تسمية عام 2025 بـ»عام الحرف اليدوية»، يجسد حرص القيادة الرشيدة على ترسيخ وتوثيق التراث الثقافي، وإبراز صناعات المجتمع السعودي الإبداعية، محلياً وعالمياً.

ومن المكاسب التي سوف تتحقق من اهتمام الدولة على أعلى مستوياتها بالحرف اليدوية، أنها تساعد على تمكين المرأة وزيادة مصادر دخلها، لأن كثيراً من هذه الحرف تصنعها النساء، وهذا الاهتمام الذي سينعكس على الشعب بدون شك سوف يسهم في زيادة الإقبال على شراء هذه الحرف واقتنائها، وهو ما يقود بالتالي إلى ارتفاع مصادر دخل الأسر المنتجة.

ولن يقتصر الاهتمام بالحرف اليدوية على المستوى المحلي فقط، فقد أعلن الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة، أن الوزارة ستعمل على تعزيز حضور هذه المنتجات، وتمكين الحِرفيين والحِرفيات السعوديين من إبراز إبداعاتهم في الأحداث والفعاليات، خارج المملكة، وزيادة مستوى مساهمتها في الاقتصاد المحلي.

لذلك أرى أن على الحرفيين والمهتمين بالتراث في المملكة؛ الاستفادة من هذه الفرصة السانحة، وانتهاز الفرص التي تتيحها وزارة الثقافة لتطوير مهاراتهم وصقلها، وتدريبهم على الأساليب الحديثة التي تعينهم على تطوير صناعاتهم، واكتساب أساليب جديدة لتحويلها إلى مهنة عصرية تدر عليهم دخلا مرتفعا، يساعدهم على تأمين احتياجاتهم، وبالتالي دفعهم للحفاظ عليها وحمايتها من الانقراض.

وأختم بالتأكيد على ضرورة الحفاظ على الموروث والعادات والتقاليد التي ورثناها عن أجدادنا، ففي هذا العصر الذي نعيشه لا مجال لأي أمة تريد البقاء؛ سوى الحفاظ على تراثها، والتعريف بإسهاماتها الحضارية، وتقديم منجزاتها الإنسانية، فالاعتزاز بالماضي والتاريخ هو أولى الخطوات لإيجاد حاضر مقنع ومستقبل مشرق.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store