هي كلمةٌ عبريَّةٌ معناهَا «عاصفة»، وهي اسم إحدى أهم الطَّائرات الحربيَّة الإسرائيليَّة.. وقصَّتُها تستحقُّ وقفاتِ تأمُّل: بدأت قبل خمسين سنة، عندما طارت المقاتلة الأمريكيَّة الجديدة من طراز «إف 16»، فأثبتت تفوُّقَها في المناورات، والتَّسليح المتطوِّر، والاعتماديَّة.. بالرغم من أنَّها مزوَّدة بمحرِّك واحد فقط، وبالرغم من حجمها الصَّغير نسبيًّا، إذ يعادل طولُها، طولَ حوالى ثلاث سيَّارات من طراز «كامري»، فكانت قادرةً على رفع حمولات كبيرة، تصل إلى حوالى ثمانية آلاف كيلوجرام.. وللمقارنة؛ فأختها الأكبر من نفس الجيل من طراز «إف 15» أطول من باص النقل الجماعي الكبير، وحمولتها تصل إلى ثلاثة عشر ألف كيلوجرام تقريبًا.. وكانت الـ»إف 16» هي أوَّل طائرة حربيَّة مزوَّدة بنظام رقمي متطوِّر جدًّا، يعتمد على الحواسيب المتقدِّمة للثبات، والتحكُّم، والتَّصويب.. أطلق عليه اسم «الطَّيران بواسطة السلك» fly by wire.. وللعلم؛ فهذا الاسم لا ينصفه؛ لأنَّه في الواقع تحرَّر من الأسلاك الكثيرة، والرَّافعات، والبكرات في الطَّائرات ذات التحكُّم التقليدي المباشر لتوفر -بمشيئة الله- قدرات أعلى، وحماية أفضل للطَّيران الآمن.
تم بيع أكثر من 4600 طائرة من هذا الطراز لحوالى 26 دولةً حول العالم، ومنها دول عربيَّة شقيقة مثل مصر، والإمارات العربيَّة المتَّحدة، والأردن، والبحرين، وعُمان، والمغرب.. وكانت إحدى أُولى الدُّول على قائمة التَّصدير في منتصف السبعينيَّات هي إيران.. ولكن بسبب سقوط الشاه، وتدهور العلاقة مع أمريكا، تمَّ وقف البيعة، فاغتنمتها حكومة الكيان الصهيوني في يناير 1980 لتصبح داعمةً لأسطولها الجويِّ.. وفي السابع من يونيو 1981 استخدمت هذه المقاتلة كمنصَّة قاذفة قنابل تكتيكيَّة في الغارة على المفاعل العراقي في عمليَّة «أوبرا»، فكانت مفاجأة في عالم الطَّيران الحربيِّ.. لم تكن المقاتلة مصمَّمةً خصيصًا للطَّيران لمسافات طويلة، ولا لحمل قنابل ثقيلة، ولا لضرب أهدافٍ أرضيَّة.. وأصبحت الـ»إف 16» من نجوم سلاح جو الكيان الصهيوني.. وضمن برامج التَّسليح كان برنامج تطوير الطَّائرات الحربيَّة، ومحاولة إضفاء هويَّة جديدة لها بدءًا بالاسم، والتَّجهيزات.. وعلى سبيل المثال؛ أطلق على الفانتوم القديمة «إف 4» الاسم العبري «كرناس»، بمعنى الشاكوش.. وأُطلق على مقاتلة الـ»إف 15» الاسم العبري «رعم» ومعناه الرعد.. وعلى مقاتلة الـ»إف 35» الحديثة الاسم العبري «أدير» ومعناه «القدير».. وعلى مقاتلة الـ»إف 16» الاسم العبري «صوفة» بمعنى العاصفة.. وكان الكيان من الجهات القليلة التي حصلت على إذن لتعديل الطَّائرة لملاءمة احتياجات «ذراع الطَّيران والفضاء» الصهيونيِّ.. ومن أبرز تلك التعديلات إضافة خزَّانات وقود؛ للسَّماح بمدى عمليَّات أطول، ولتحرير الجناحين لحمل المزيد من الأسلحة المتطوِّرة محليًّا، كما زُوِّدت برادار أقوى، وبأنظمة تصويب وملاحة أكثر تطوُّرًا، وزُوٍّدت بكرسيٍّ ثانٍ خلفيٍّ لمشغِّل أنظمة التَّسليح والتَّشويش.. وأصبحت هذه المقاتلة «بتاعت كله»، فقامت بدور المقاتلة المتطوِّرة، والهجوميَّة، وقاذفة القنابل التكتيكيَّة، والتشويش والتمويه.
* أمنية:
طيِّب.. وماذَا استفدنَا من كلِّ هذَا.. مبيعات أنظمة التَّسليح الإسرائيليَّة، والتي كانت تفوق المليار دولار شهريًّا خلال 2024؛ كانت تعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على تجاربها الميدانيَّة لإثبات فعاليَّة الأسلحة.. وتجربة الحروب المستمرَّة التي يعيشها الكيان هي من أهم آليَّات التَّسويق للمنظومات المختلفة، وتوصف «بالمعمل الفلسطينيِّ».. يعني الشعب الفلسطيني، والأراضي الفلسطينيَّة هي حقل التَّجارب للأسلحة.. أتمنَّى أنْ يدركَ العالمُ أنَّ دمارَ غزَّة كان موجَّهًا ضدَّ المدنيين، ومن المستحيلات أنْ نتخيَّل أنَّ دقَّة التَّصويب لقتل الأبرياء بداخل ديارهم ستكون شهادةً لفاعليَّة الطَّائرة أو تسليحها.. لطائرات «الصوفة»، أو «الرعم»، أو «الأدير»، والأسلحة الأُخْرى.. ولا أعلم عن هويَّة الدُّول الرَّاغبة في شراء قاتلات الأطفال، وكبار السِّن، والأُمَّهات.. وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهو من وراء القصد.


