في فيديو انتشر -مؤخَّرًا- للطَّبيب وليد فتيحي -بمناسبة برنامج (عافيتك هذا الأسبوع)- كان أكثرَ من رائع، حيث يقول الأيقونة السعوديَّة في الطبِّ: «إنَّ أقوى طاقة على وجه الأرض هِي الحُبُّ.. ولكنَّ اللهَ -سبحانَهُ وتعَالَى- أخفاها عن الأبصار، وكشفها لأهل البصيرة، فيراها الجاهلُون ضعفًا، ويدركها أهلُ البصيرة أنَّها القوَّة الحقيقيَّة.. فالحُبُّ به طاقةٌ كهرومغناطيسيَّة تجذبُ إليك كلَّ حُبٍّ، ويصل إلى ٣ أمتار، والقلوب التي تحبُّ الخير؛ هي تلك القلوب التي تجذب إليها كلَّ حُبٍ، وكلَّ صلاحٍ، وهي تلك التي ينظرُ اللهُ إليها، ويكتبُ الله على يدها كلَّ خير».. ويختم حديثه بحديث رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فيقولُ: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ).
كمْ هي رائعةٌ تلك النَّصيحة من طبيب؛ فتجعل قدرة الإنسان على أنْ يعيش في سلام وعافية من خلال الحُبِّ، فقد أثبتت الدِّراسات العلميَّة الطبيَّة أنَّ هناك علاقةً وثيقةً جدًّا بين الأمراض الجسديَّة، والأمراض النفسيَّة، وأنَّ مَن يعيش وهو محمَّل بالكراهية للآخرين، أو الحقد، يُصاب بالكثير من الأمراض، ومنها الضَّغطُ العصبيُّ، والسَّكريُّ، والقولون، بل قد تنتج عنها أمراضٌ نفسيَّة أُخْرى، مثل: الاكتئاب، والقلق، واضطرابات النَّوم، وغيرها.
وللأسف هذا كلُّه مختلف عمَّا ذكره أحدهم في مقالة (فن الإيذاء)، والذي يُصوِّر «الإنسان أنَّه أنانيٌّ بخلقته، نفعيٌّ بطبعهِ، متوحشٌ بصفتهِ، لا يصدُّه عن الأذى سِوَى منفعةٍ يطلبها، أو مضرَّةٍ يتجنَّبها.. الإنسانُ كائنٌ شريرٌ في الأصل».. كلماتٌ ربما أصلها من فلاسفة مُلحدُون، وهي مستفزةٌ للقارئ الذي جُبل على الحبِّ والسَّلام، والتَّعايش مع الجميع، وعلى المبدأ الإسلاميِّ: (َادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، فالكاتبُ يشيطنُ الإنسانَ، ويجعله في مصافِّ إبليس في الشرِّ، مع أنَّ الله -سبحانَهُ وتعَالَى- كرَّم بني آدم، بل طلب من الملائكة السُّجودَ له؛ لفضله على سائر مخلوقاته.
والأصلُ في طبع الإنسان الخير، وليس الشَّر، وحينما رفض إبليسُ السجودَ لآدمَ، كان عذره أنَّه خيرٌ منه.. حيث خلقَهُ اللهُ مِن نارٍ، وليسَ له فضل في ذلك.. ويُعتبر عاصيًا، ولكنَّه توعَّد بني آدم بالغوايةِ: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، فردَّ اللهُ -سبحانه وتعالى- عليه: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِين). والشَّرائعُ السماويَّة جميعها، والقِيمُ الأخلاقيَّة في المجتمعات الإنسانيَّة تقوم على الخير، وليس على الشَّرِّ، وديننا الإسلاميُّ يشتمل من القِيم الأخلاقيَّة ممَّا يجعل المجتمعات تعيشُ في خيرٍ وحُبٍّ وسلامٍ.
ولكنَّ البُعدَ عن القِيم الأخلاقيَّة، وخاصَّةً حينما يتبوأ أحدهم منصبًا أو مكانةً، وأنَّه يعمل على الإضرار بالآخرين، وخاصَّةً (المدير أو الرئيس) الذي يتسلَّط على مرؤوسيه في العمل، والتحكُّم في مصائرهم، والتمكُّن من إيذائهم، والمماطلة في إعطائهم حقوقهم.. فهذا لا يمكن أنْ يكونَ إنسانًا سويًّا، ومثل هؤلاء قلَّة، ولا يمكن التَّعميم على وجودهم في المنظَّمات مطلقًا، حيث لا يلبث الموظَّفون كشف عُوراهم ونقصهم، وتقديم شكوى للجهات العُليا، أو حتَّى للجهات القضائيَّة ضدَّهم، فأنظمة وزارة الموارد البشريَّة والتنمية الاجتماعيَّة دقيقةٌ جدًّا، وهناك حقوق الموظَّفين، وحقوق العمَّال، وهي وفق إجراءات وحوكمة دقيقة، ومساءلة عن كلِّ إجراءٍ يُتَّخذ ضدَّ أيِّ موظَّف.. ولا يُترك الحبل على الغارب في إيذاء الموظَّفين، وهم أصلًا لن يقبلُوا بمن يتفنَّن في أنواع الإساءة والتَّعنيف والتَّمرُّد ضدَّهم..!!
والكراهية ليست مطلقاً أسهل من الحب؛ لأنك حينما تكره شخصاً، فإنك تدمر نفسك قبل أن تدمر من تكره؛ لأن تكون إنساناً شريراً يعني أنك ممتلئ بألوان القلق والتوترات، وجميع تصرفاتك تكون خاطئة، من كذب، وخيانة أمانة، ونفاق، وخداع.. والله ميز الإنسان عن سائر المخلوقات بالعقل والتفكر والتدبر، وأنه بفطرته مسير نحو الخير.
وجميع نوازع الشَّرِّ هي من الشَّيطان للضعفاء، الذين لا يملكُون أنفسهم، ولا يستخدمُون عقولَهم في التَّفكير والتدبُّر في الأمور، وهؤلاء أشقى خلق الله، وإنْ كانوا موجودين فعلًا، ولكنَّهم قلَّة قليلة، إذْ إنَّ تملُّك النَّفس هي أعلى قيمة للإنسان.. وإذا كان لابُدَّ من كراهية إنسان.. وهذا وارد في الحياة، فأيُّ إضرارٍ به حتمًا سيكون الردُّ جاهزًا من الطَّرف الآخر، وهكذا دواليك، ويبقى الإنسانُ يسير في رَحَى الشَّرِّ.. وتدمير المجتمعات الإنسانيَّة.. ولكنْ.. أَلَم يَقُل اللهُ -سبحانَهُ وتَعَالَى-: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)؟، وهذا أسهلُ علاجٍ، بدلًا من الكراهية.. فالخيرُ والحُبُّ والسَّلامُ هي مقوِّماتُ المجتمعات الصحيَّة.. ولا مكانَ للكراهية، ومَن يُعانُون من اضطراباتٍ سلوكيَّة ونفسيَّة مرعبة وضارَّة، هؤلاء المصحَّات النفسيَّة جنَّتهم ومأواهم.. نسألُ اللهَ السَّلامةَ.


