قبل أيام، تعرَّضتُ لحادث سيَّارة، غيَّر مسار يومي بالكامل. جلستُ هناك ثلاث ساعات في انتظار إنهاء إجراءات الحادث، ويدي متضرِّرة، والبرد يحيط بي من كلِّ اتِّجاه. لكن ما شغلني أكثر، لم يكن الألم ولا البرد، بل تلك اللَّحظة التي أدركتُ فيها أنَّني وحيدٌ.
أنا ابن مدينة بعيدة، تركتُ كلَّ من أعرفهم خلفي؛ لأبحث عن الرزق، وأُحقِّق أحلام أُسرتي، التي ترى فيَّ الأمل. لكن خلال تلك الساعات الثَّلاث، وجدتُ نفسي أُفكِّر: على مَن أتَّصل؟، مَن سيقفُ معي في هذه اللَّحظة؟، ومع هذا التَّساؤل، تذكَّرتُ كيف يُنادي البعض بالعُزلة، وأهميَّة العيش وحيدًا؟. كيف يمكن للإنسان أنْ يختار الوحدة بإرادته؟.
في تلك اللَّحظة، أدركتُ شيئًا عميقًا، وهو أنَّ الحياة أكبر من أنْ تكون عملًا، أو سعيًا وراء النَّجاح الماديِّ، هي شبكة من العلاقات الإنسانيَّة التي تمنحها المعنى والقيمة. أولئك الذين تحبُّهم ويُحبُّونك، الذين يدعمُونك في لحظات الانكسار، ويقفُون بجانبك في أشدِّ أوقاتك ضعفًا، هم مَن يجعلون الحياة تستحقُّ أنْ تُعاش.
قد نظنُّ أحيانًا أنَّ الاستقلال التَّام، أو الوحدة دليل على القوَّة، لكنَّ التجربة علَّمتني أنَّ الإنسان بلا دعم من الآخرين، كالشجرة بلا جذور. ربما نستطيع العيش وحدنا لفترة، لكن الحياة الحقيقيَّة تُبنَى من خلال التَّواصل، الحبِّ، والمشاركة مع الآخرِينَ.


