تمثل سيارة «الرولز رويس» قمة الفخامة في عالم السيارات.. وتمثل الإيرباص 380 قمة الحجم في عالم الطائرات التجارية.. ويمثل «بنيامين نتنياهو» قمة الغلاسة في عالم السياسة.. ويمثل عنصر «اليورانيوم» قمة التناقضات في عالم العناصر الكيميائية.. أنعم الله عز وجل على العالم باثنين وتسعين عنصراً طبيعياً، وكل منها بخصائصها المتميزة.. الحديد ببأسه الشديد في صناعة ملايين المنتجات، والذهب ببريقه وسحره وقيمته العالية، والنحاس بفوائده الرائعة في عالم الكهرباء، والتفاريق، والعديد من الاستعمالات الأخرى في حياتنا اليومية، والكربون بملايين منتجاته الجميلة من البترول إلى الأدوية.. وكلها في واد، واليورانيوم في واد آخر.. ذراته هي الأكبر حجماً مقارنةً بالعناصر الطبيعية الأخرى، وكل منها مخيفة في سلوكياتها.. فكما درسنا في المدرسة أن نواة الذرة هي أحد أهم مكونات شخصيتها، ونواة الذرة لهذا العنصر مشبعة، لدرجة أنها مستعدة أن «تخرج عن طورها» إن صح التعبير.. يعني مثل الشخص الذي «لا يطيق نفسه» من كثرة المشاكل بداخله، وينفث النكد حتى لو كان جالساً بمفرده.. ولذا فهو من أهم المواد المشعة.. وبالرغم من ذلك، فهو من العناصر المعمرة بإرادة الله.. يعني بخلاف العديد من العناصر المشعة الأخرى التي لا تطيق نفسها، وتتحول إلى عناصر أخرى عبر فترات زمنية متفاوتة بسبب التغيرات المستمرة بداخلها، يبقى اليورانيوم لفترة بلايين الملايين من السنين.. يعني نكد طويل الأمد.. ولكن التناقض العجيب هو أنه بالرغم من كل هذه الصفات النكدية وعدم الاتزان، فاليورانيوم من نعم الله الجميلة في عالم الطاقة.. لو عندك قطعة يورانيوم بحجم حبة «لدو»، فالطاقة الكامنة بداخلها تستطيع أن توفر الطاقة لقرية صغيرة لمدة سنة.. بل وتوفر تلك الطاقة بدون أي «هباب»، أي أنها طاقة نظيفة.. والسر هنا هو آلية استخراج تلك الطاقة.. فلو خرجت ببطء وهدوء، فستوفر النعم بإرادة الله بدون أي دراما.. وأما لو خرجت بطريقة سريعة، فهي كافية للدمار الشامل العنيف للقرية الصغيرة، وأكثر.. كما شهد العالم في القنبلة الذرية التي دمرت مدينة «هيروشيما» اليابانية في 6 أغسطس 1945.. وهذا يجسد مفهوم السلاح ذي الحدين.. وبالرغم من أن اكتشاف العنصر كان قبل حوالى مائتي عام، وكان يستخدم في الصباغة والزينة بسبب ألوانه الزاهية، إلا أن طرق استخراجه، ونقله، والاستفادة منه، وتخزينه، وإعادة استخدامه لم تتطور إلا خلال السبعين سنة الماضية.. وإحدى أهم خطوات تصنيعه هي تحويله من مادة إلى أخرى، نظراً للمخاطر الكامنة في التعامل معه.. يعني بدون مبالغة: اليورانيوم يحتاج إلى «الإصلاح والتهذيب».. وإحدى تلك المواد التحوّلية ضمن سلسلة تنقية هذا العنصر العجيب؛ هي تحويله إلى الكعكة الصفراء.. يتم إنتاجها من العنصر الخام.. وهي عبارة عن بودرة جميلة تشبه «الططلي».. والمقصود هنا هو مسحوق حلوى «الكسترد» التي كانت من أساسيات السفرة السعودية أيام زمان.. ومكوناتها الأساسية هي خلطة اليورانيوم المتحد مع الأوكسجين لكي «يهجد».. وهذه الكعكة تكون مرحلة مهمة للخطوة التالية في تصنيع العنصر ليرتقي إلى درجة أعلى من النقاوة، ويتحول إلى حبيبات المعدن ضمن خطوات تنقيته.. وأخيراً، كان توفُّر خام اليورانيوم مقروناً بأستراليا، وكازاخستان، وكندا، والولايات المتحدة، والكونجو.. وقد أصبح بحمد الله من مكونات المعادن الرئيسة في المملكة اليوم.
* أمنيــــــة:
أتمنى أن نتذكر أن نِعم المعادن لا تقل أهمية عن نِعم الله الأخرى التي لا تعد ولا تحصى.. واليورانيوم من المكونات المهمة لتلك النِّعم، وهي تكمل دور المملكة التاريخي كأحد الأعمدة الرئيسة لأمن الطاقة الوطني والعالمي بتوفيق الله، وهو من وراء القصد.


