يُحكى أنَّ أعرابيَّةً وجدت في البادية (جروَ ذئبٍ صغيرٍ)، قد وُلد للتوِّ، فحنَّت عليه، وأخذته وربَّته، وكانت تطعمه من حليب شاةٍ عندَها، وكانت الشاة بمثابة الأُمِّ لذلك الذِّئب، وفي أحد الأيام، عادت الأعرابيَّة إلى بيتها، فوجدت الذِّئب قد هجم على الشَّاة وأكلها، فحزنت الأعرابيَّة على صنيع الذِّئب الذي عرف طبعه بالفطرة، وأنشدت بحزنٍ قائلةً:
أكلتَ شُويهَتِي وَفَجَعتَ قَلبِي
وَأنْتَ لشاتِنَا وَلدٌ رَبيبُ
غُذِّيتَ بدَرِّهَا ورَبَيتَ فِينَا
فمَن أنبَأكَ أنَّ أبَاكَ ذِيبُ؟!
إذَا كانَ الطِّباعُ طِباعَ سُوءٍ
فَلا أدبٌ يًفيدُ وَلَا حَليبُ
كذلك الحال، عند بعض الجهات العمليَّة، يوجد (جرو الذِّئب البشريِّ)، الذي يشغل وظيفة متدنِّية، قبل أنْ يحن عليه أحدُ أصحاب القرار الكبار، ليس لكفاءته، وإنما استجابة لواسطة غالية، فأوعز لأحد بطانته، يربِّيه ويطعمه من (حليب التَّرقية)، حتَّى كبر وتبوَّأ أحد المناصب القياديَّة، فكشَّرعن أنيابه، وهجم على مديره وزملائه الذين طالما دعمُوه، ووقفُوا إلى جانبه، لينهشهُم بظلمِه وحقدِه وألاعيبِه و(قلَّة أدبِه)، دون أيِّ عقاب أو حتَّى مساءلةٍ!!
المفارقة العجيبة: أنَّ حجَّة مَن حابى (جرو الذِّئب البشري)، وانتشله من وظيفة متدنِّية، ورقَّاه لمكانة مرموقة بإدارة حيويَّة، أنَّه لمح في عينيه موهبةً فذَّةً، تحتاج للصقل والتنمية، لكنَّه بعد أنَّ سلم (جرو الذِّئب البشري) مهام قياديَّة (وجاب الطعة)، بعدَّة مخالفات تتعلَّق بتنظيم العمل والشَّرف والأمانة، خلق انطباعًا عامًّا بأنَّه مشغول هذه الفترة، ولم يلمح أيَّ من كوارثه الفائحة، مع أنَّ الجهة العمليَّة كلها عارفة، والذِّئب خائر ورابض كالضَّبع بوكرِهِ!!
المفارقة المحبطة: أنَّ ترقية (جرو الذِّئب البشري)، غالبًا ما تخلق نوعًا من الطمأنينة لدى شاغلي الوظائف المجمَّدة، الذين مرَّت سنوات طويلة دون أنْ ينالهم علاوة أو ترقية، مردِّدين بأنَّه طالما ترقَّى فلان (وهو من جنبها)، فكيف بالبقيَّة أصحاب الخبرة والإنتاجيَّة، لكن طموحاتهم المشروعة سرعان ما تتبخر حين يجدون هذا المتسلِّق ينسب النَّجاح ويحصد المكافأة لنفسه، ليؤكِّد صدق المقولة الخالدة (ما يؤلم الشَّجرة ليس الفأس، ما يؤلمها حقًّا أنَّ يد الفأس من خشبها)!!
أمَّا المفارقة المستفزَّة؛ أنَّ (جرو الذِّئب البشري)، الذي عانى ويلات الوظيفة المتدنِّية، لم يستغل انتشاله من براثن الشُّحِّ والفاقة، لدعم صغار الموظَّفين أمثاله، وتلمُّس احتياجات العمالة الكادحة، بل نصب الغل والعداء لهم، وأخذ يصدر قراراته التعسفيَّة، ينهي عقد هذا، ويقلِّص صلاحيَّة ذاك، وينقل أولئك، بل ويحيك مكائده للوصول لكرسيِّ مديره الأعلى، الذي أفرط بثقته وتساهله، حتَّى بات ومنسوبوه، فريسةً سائغةً لأمثال هذه (الذِّئاب البشريَّة السَّائبة)!!


