Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

دبــــــــــابيس

A A
توصف مهنة التجسس بأنها ثاني أقدم مهنة في التاريخ.. وفضلاً لا تسألوني عن أقدم مهنة.. وتوصف أيضاً بأنها النشاط الذي يتميز بالهدوء، وبدون أي أسماء أو وجوه.. وتتميز باعتمادها على القدرات الفنية، والسلوكية المتطورة، والدهاء، لدرجة أن اسمها باللغة الإنجليزية هو «ذكاء» intelligence.. وكأن الجهات البعيدة عنها ليست ذكية.. ما علينا.. وبعض من قصصها أغرب من الخيال، فأتذكر شخصياً أن أحد أغرب الكتب التي قرأتها كان مملاً وبعيداً عن اهتماماتي، ولم أستطع أن أكمله بسهولة، ولكنني حرصت على شرائه ومحاولة قراءته قبل حوالى ثلث قرن.. والسبب في حرصي، والملايين من القراء مثلي، هو أنه كان من الممنوعات في إنجلترا، بل وفي العديد من دول العالم، وكان يلاحق بقضايا من عمالقة القانون في العديد من البلدان بقيادة رئيسة الوزراء الإنجليزية الحديدية «مارجريت تاتشر» شخصياً، وورائها أجهزة الاستخبارات الإنجليزية التي تتكون من جهاز المباحث المحلي «إم أي 5»، وجهاز الاستخبارات الدولي «إم أي 6»، والجهاز المركزي للاتصالات «جي سي اتش كيو»، وغيرها.. يعني شلة «قبضايات» الدبابيس الإنجليزية كانت تحاول إسكات الكاتب، والكتاب بعنوان: «صائد الجواسيس»، تأليف «بيتر رايت»، الذي كان مساعداً لجهاز المباحث الخاص بالتحري عن الجواسيس، وقد خدم في الجهاز لمدة عشرين سنة، وألَّفه بعد التقاعد. الغريب أن الكتاب لم يكن مثيراً في معلوماته، ولا في أسلوبه، وكان المتوقع أن تبيع دار النشر «ديل» حوالى عشرين ألف نسخة.. ومعظمها محلياً.

ولكن الحملة الهائلة التي قادتها رئيسة الوزراء ورجالها حول العالم في الشرق والغرب؛ أدت إلى شهرة مذهلة ومبيعات تخطت الأربعة ملايين نسخة، وأصبح من أنجح الكتب وأشهرها في عالم الدبابيس.

جاء في الكتاب أن أجهزة دبابيس إنجلترا تعرضت لمحاولات كثيرة للاختراق، وخصوصاً من الاتحاد السوفيتي أثناء فترة الحرب البادرة، وكانت المفاجأة أن تلك الاختراقات نجحت في الوصول إلى القيادات الحساسة، ولكن المفاجأة الكبرى هي أن الأجهزة الإنجليزية حسب ادعاء الكاتب كانت «فاسدة حتى النخاع». ومَن يُراجع تاريخ الحرب البادرة؛ سيجد العديد من الاختراقات السوفيتية للاستخبارات الغربية كانت مذهلة.. من تسرّب تقنيات القنبلة النووية، وتقنيات الصواريخ ومحركات الطائرات النفاثة، وتسرب الفكر اليساري النشط إلى قيادات الدبابيس، ووصولاً إلى اتهام رئيس الوزراء السابق «هارولد ويلسون» بالجاسوسية.

والملاحظ هنا أن الكتاب يحكي فترة الانسحاب البريطاني عن العديد من المستعمرات حول العالم، وفترة نمو الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، وتأسيس الكيان الصهيوني، والعدوان الثلاثي على مصر الشقيقة.

من العجائب أن لغة الكتاب القاسية ضد أجهزة التجسس كان بالإمكان تخفيف حدّتها، ولكن تلك القسوة كانت بسبب حرمان الكاتب من تقاعده الكامل من الجهاز الاستخباري؛ بسبب عدم احتساب كامل فترة خدمته، وزاد الطين بلة؛ الحملة الشرسة الحكومية الرسمية ضد الكتاب، الذي أصبح من «الممنوعات».

* أمنيـــــة:

بعد كل هذا الكلام، سنجد أن ما تطرَّقتُ إليه هو القشور فقط، فهناك آليات تجسس متطورة، لها ميزانيات تفوق ميزانيات دول وأنشطتها في الفضاء وتحت سطح البحار، وهي الأقمار الصناعية بأجيالها المختلفة والغواصات.

أتمنى أن ندرك أن بعض من أهم المعارك في حروب اليوم ضد فلسطين الشقيقة وغيرها من الصراعات الكبرى؛ تُدار من قيادات التجسس، وأدعو الله أن يقينا شرورها، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store