من يذهب للتبضُّع من حلقات الخُضار الموجودة بكلِّ مدننا الحبيبة، يجد أنَّها تُعدُّ سوقًا عالميًّا يجمع منتجات الكثير من بلدان العالم، وهذا أمر يسعدنا توفُّره، في ظلِّ حالة الانفتاح التي تعيشه مملكتنا الحبيبة، بعد أنْ فتحت أبوابها لتلك المنتجات المتنوِّعة المصادر، ولكنَّ هذا الأمر يجعلنا نطرحُ تساؤلًا يتَّسع لمساحة وطننا الحبيب مفادُه: لماذَا لا تكون تلك المنتجات من إنتاجِ مزارعِ وطنِنَا الحبيب؟
فبلادنا -والحمد لله- متنوِّعة في تضاريسها، وطبيعة أراضيها، من حيث صلاحيَّة تربتها لكافَّة المنتجات، والعقبة الوحيدة التي تُعدُّ عائقًا هي توفُّر مصادر المياه، التي تكفي لتلك الأراضي، وهذا أمر مقدور عليه، من خلال عدَّة طُرق مثل: طُرق الاستمطار المتقدِّمة، وتحلية المياه للمناطق القريبة من سواحل البحار، والاحتفاظ بمياه الأمطار، من خلال إنشاء السدود، واستجلاب المياه الجوفيَّة، وفتح قناطر المياه من البحار.
فخطَّتنا التنمويَّة 2030 لم تغفل عن ذلك، وبدأت في تنفيذ خطَّة السعوديَّة الخضراء، والشرق الأوسط الأخضر؛ بغرض القضاء على المساحات المتصحِّرة، وتضمَّنت تلك الخطَّة، قضيَّة الأمن الغذائيِّ، وما نتطلَّبه مستقبلًا من سدِّ احتياجاتنا الغذائيَّة من منتجاتنا الوطنيَّة، فربُّنا -سبحانَهُ- قد منحَ بلادنا الحبيبة المملكة العربيَّة السعوديَّة، الكثيرَ من المقوِّمات التنمويَّة، التي تجعل منها بلدًا مُنتجًا لمختلف المتطلَّبات الحياتيَّة من الغذاء، ولا يتبقَّى سِوَى استثمارها لهذا الغرض الحيويِّ لمستقبل المجتمع، ولعلَّ أبرز تلك المقوِّمات التي تزخرُ بها بلادنا الحبيبة، توفُّر الكثير من الثَّروات التي تكتنزها أرضها، والتي يمكن استثمارها في دعم وتنفيذ هذه الخطَّة التنمويَّة الهامَّة جدًّا في حياة الشعوب، فهي ثروات هائلة، منها السَّائلة كالنِّفط التي تحتل فيه المرتبة الثَّانية عالميًّا من حيث الإنتاج، والمرتبة الأولى عالميًّا من حيث الاحتياط، ثمَّ الغاز الطبيعي، ثمَّ المياه التي تكتنزها باطن أرضها، والمياه البحريَّة التي تحيط بها من ثلاثة اتِّجاهات، ومنها الجامدة كالثَّروات المعدنيَّة بمختلف صورها، كما وأنَّ المساحة الهائلة لمملكتنا الحبيبة تتَّسم بالتنوُّع في تضاريسها، والتنوُّع في تربتها؛ ممَّا يجعلها قابلةً لأنْ تكون أرضًا زراعيَّةً تنتج مختلف المنتجات الزراعيَّة حسب الموقع وتضاريسه ومناخه، ففيها المناطق الجبليَّة كجنوب المملكة، وهي مناطق كثيرةُ الأمطار، وتربتها صالحةٌ للتنوُّع في زراعتها ما بين الفواكه والخضراوات بمختلف أنواعها، وزراعة القمح والذُّرة والدُّخن، وغيرها، ووسط الجزيرة توجد بها مساحات هائلة من الأراضي الزراعيَّة، التي تكفي لسدِّ حاجتنا الكاملة من الغذاء من قمح وتمور وخضراوات وفواكه، ثمَّ التَّصدير إلى الخارج، فيما لو استُثمرت الاستثمار الأمثل، ثمَّ المنطقة الشرقيَّة التي لا تختلف عن بقية المناطق الأُخْرى في جانب الزِّراعة، وخاصَّةً التمور، وبالطَّبع وجود أغلب الثَّروة البتروليَّة والمعادن بها.
ولعلي هنا أجتز بالحديث المفصل، المنطقة الساحلية للبحر الأحمر، والممتدة من مدينة جدة حتى مدينة جازان، هذه المنطقة الهائلة في مساحتها، والتي لو تم استصلاحها فستكفي المملكة من حيث الغذاء، فهي أرض زراعية قد تصحرت عبر عصور الجفاف، وتحولت إلى رمال، وبالإمكان إعادة استصلاحها، وهنا أطرح مقترحاً لذلك الاستصلاح، وهو بما أن هذه المساحة الهائلة محاذية لساحل البحر الأحمر، فقد نستثمرها بثلاث طرق:
الأُولَى: عن طريق تحلية المياه، بإنشاء محطَّات صغيرة على امتداد الطريق، وتكون كعنصر داعم.
الثَّانية: تكون بحفر آبار، ونحن نعلم أنَّ حفر الآبار بالقرب من السواحل البحريَّة أمر سهل وميسَّر، وخاصَّةً إذا خُصِّصت للزِّراعة فقط.
الثَّالثة: اتِّباع تقنية تكثيف المياه، وهي تقنية معروفة، والكثير من الدُّول كالصِّين مثلًا تستخدمها لمساحات شاسعة من الأراضي.
وبذلك يتمُّ الاستصلاح الزِّراعي لتلك المناطق الشَّاسعة والقضاء على تصحُّرها، الذي يسبِّب الكثير من المشكلات على طريق المركبات، وعلى المناطق المجاورة لها، ويقيني أنَّ حكومتنا الرَّشيدة -رعاها الله- تنظرُ إلى هذا الجانب الأمنيِّ الغذائيِّ، وأنَّها تستطيع أنْ تذهلَ العالم باستثمار تلك المساحة المليونيَّة؛ لتصبح منطقةً زراعيَّةً منتجةً تكتفي من خلالها عن الاستيراد للمواد الغذائيَّة التي تملأ أسواقنا.. والله من وراء القصد.


