هل تواجه سوريا مأزق (انفصال) بين النُّخبة والشَّعب، في وقتٍ هي في أمسِّ الحاجة فيه لأكبر (اتِّصالٍ) ممكن بين الطَّرفين؟ هل تتحدَّث النُّخب السوريَّة حقيقةً عن نفس الشَّعب السوريِّ، الذي يعيش في سوريا اليوم؟ أم عن (شُعوب سوريَّة) مختلفة، وربما (مُتخَيَّلة)؟.
تلك أسئلةٌ تفرض نفسها في معرض المقارنة، بين ما تقرأه على صفحات التَّواصل الاجتماعيِّ، بأقلام النُّخب السوريَّة من المثقَّفين والكُتَّاب والنُّشطاء، وخاصَّةً منها العلمانيَّة والليبراليَّة، وما تشاهده وتسمعه في واقع النَّاس على الأرض في أحياء وأزقَّة دمشق وحلب وحماة وحمص، وغيرها من المدن السوريَّة.
ويبدو الأمر صارخًا في وضوحه، حين يتعلَّق بأوَّلويَّات عمل القيادة السوريَّة الجديدة بشكلٍ عامٍّ، وبنمط النِّظام السياسيِّ الذي ينبغي العمل على إيجاده في البلاد.
ففي حين تبدُو مشاعر الامتنان والتَّقدير، واضحةً جليَّةً، عند ملايين السوريِّين، ومعها إدراكهم العريض للمعاني الكُبْرى الكامنة في تحريرهم، وتحرير بلادهم من حُكم الأسد البائد، تبدو النُّخب المذكورة وكأنَّها تتعامل مع المسألة من باب كونها بديهيَّةً، ليس ثمَّة حاجةٌ للحديث بشأنها!.
ليس المُراد هنا الإغراق في (تمنين) النُّخب بذلك الإنجاز إلى يوم الدِّين. وإنَّما التَّذكير بواجبهم في التَّفكير بدلالات ومقتضيات ذلك الإنجاز التاريخيِّ غير المسبوق في العصر الحديث. وتحديدًا، عندما يكون في بلدٍ مثل سوريا، يعرف القاصي والدَّاني حجم الاهتراء الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ والإداريِّ الذي ترك الهاربُ البلادَ عليه قبلَ فراره.
وتَظهر المفارقة، حين تسمع من السوريِّين البسطاء مقولاتٍ تؤكِّد على حتميَّة وضرورة الصَّبر والأناة والتعقُّل في التطلُّع لعمليَّات التَّطوير والتَّحديث والإصلاح والبناء، بناءً على رؤيتهم العينيَّة للواقع الذي عايشوه إلى لحظة انتصار الثَّورة، وترى مع المقولات المذكورة تركيزهم على أولويَّة التنمية الاقتصاديَّة والتَّعامل مع الحاجات المعيشيَّة للنَّاس. كل ذلك مع إدراكٍ عبقريٍّ وعفويٍّ لحجم التحدِّيات الأمنيَّة والسياسيَّة المحيطة بسوريا، تُوضعُ مطالبهم في سياقه الكبير.
بالمقابل، تملأ النُّخب المذكورة فضاءات مواقع التواصل الاجتماعيِّ، بمطالب ونداءات وتصريحات وانتقادات تدخل حصرًا في عمليَّة تطوير النِّظام السياسيِّ السوريِّ، ولكن بشكلٍ تبدُو تلك الأدبيَّات معه أقرب للمطالبة بنظامٍ سياسيٍّ في سويسرا أو الدانمارك! أمَّا الحديث في أيِّ موضوعاتٍ اقتصاديَّةٍ أو معاشيَّةٍ فلا يأتي إلَّا في باب الانتقاد الصَّارم والقاسي؛ لعدم حصول ما يُشبه المعجزات.
وقد يكمن تفسير المفارقة المذكورة، في أنَّ الغالبيَّة العظمى من تلك النخب عاشت خارج سوريا، خلال العقد الماضي في أقل الأحوال، وأكثر من ذلك بكثيرٍ أحيانًا. ومع احتمال تعرُّض أفرادها لصعوباتٍ في بداية هجرتهم، غير أنَّ من الواضح أنَّهم باتوا مستقرِّين مرتاحين في أعمالهم وحياتهم وسط بيئتهم، الغربيَّة في معظم الحالات. وهكذا، تشكَّلت، بتأثير عوامل ثقافيَّة وجغرافيَّة واقتصاديَّة، شريحةٌ من النُّخبة السوريَّة عايشت الثَّورة من بعيد. ومع انسجامها الأكيد بمبادئ الثَّورة وأهدافها، غير أنَّ واقع التحرير أظهر المفارقة الكبيرة بين احتياجاتها المباشرة، واحتياجات النَّاس على أرض الواقع السوريِّ.
ليس المقصود هنا أن ملايين السوريين لا يتطلعون لمزيد من الحرية، والتعددية، والمشاركة السياسية. لكن مثل هذه التطلعات لا تأتي أولوية أولى أبداً، ولا ثانية ولا ثالثة. في حين أنها تبدو الهم الأول والأخير للنخب السورية، اللهم إلا حين تتحدث بشكل عابر عن تحديات الحياة اليومية للمواطنين، بطريقة (رفع العتب).
يطولُ الكلامُ؛ ممَّا لا يحتمله هذا المُقام. لكنْ ثمة (مفاجآت) كُبْرى تنتظر هذه النُّخب، إذا لم تنتبه، بجدِّيَّة، لهذه المفارقة، بحيث تقوم بإعادة توزيع اهتماماتها بنسبٍ عقلانيَّةٍ وواقعيَّةٍ.
وسواء رَضينا بهذا أم سَخِطنا عليه، قد تتعلَّق كُبْرى تلك المفاجآت بإعراض الجماهير الكُبْرى عنها، وعن خطابها، في وقتٍ يبدو مؤكَّدًا أنَّ سوريا ستكون في حاجةٍ إليه.


